قِصَّة الفداء

23/229

بناء الفلك

أعطى الله نوحًا أبعاد الفلك وقياساته الدقيقة وتعليمات صريحة حول بنائه بكلِّ تفاصيله. ويمكن القول أنَّ الفلك ــ مِن نواحٍ عديدة ــ لم يُبنَ على شكل سفينة، إلّا أنَّ أساسه كان على هيئة سفينة لكي يطفو على وجه الماء، أمَّا الفلك نفسه فقد أعِدَّ بطريقة تُشبه البيت. لم يكن هناك نوافذ على جوانب الفلك. وقد كان مكوَّنًا مِن ثلاث طبقات، والنور كان ينفذ إليها مِن نافذة في أعلى الفُلك. أمَّا الباب فقد كان على أحد جوانبه. والحُجُرات التي أعِدَّت لاستقبال حيوانات مُختلفة قد بُنيت بحيث تقوم النافذة الموجودة في الأعلى بتوزيع النور إلى جميع الحُجُرات. وقد صُنِعَ الفُلك مِن خشب الجفر أو السرو الذي لا يتطرَّق إليه التلف حتَّى بعد مئات السنين. لقد كان بناءً في غاية المتانة، ولم يُمكِن لِحكمة إنسان أنْ تبتدعه. كان الله هو المُصمَّم، وكان نوح هو البنَّاء المُحتَرِف. SRAr 63.3

بعد أنْ عَمِلَ نوح كلَّ ما كان باستطاعته لكي يقوم بالعمل بكلِّ أجزائه بالشكل الصحيح، كان مِن المُستحيل على الفلك أنْ يصمد مِن تلقاء نفسه ويُقاوم عُنفوان العاصفة التي كان الله ــ في حموّ غضبه ــ على وشك أنْ يجلبها على الأرض. كان الانتهاء مِن بناء الفلك عمليَّة بطيئة، فكلُّ قطعة خشب كانت تُثبَّت بِعناية وإحكام، وجميع الشقوق كانت تُغطَّى بالقار. وكلُّ ما أمكن للبشر أنْ يقوموا به قد عُمِل لإنجاز العمل بكلِّ إتقان؛ ومع ذلك، وبعد هذا كلِّه، لم يكن باستطاعة أحد أنْ يحافظ على ذلك البناء وسط لجج المياه الهوجاء سوى الله وحده بقوَّته الإعجازيَّة. SRAr 64.1

في البداية بدا أنَّ جموعًا غفيرة قد قَبِلت إنذار نوح، إلَّا أنَّهم لم يرجعوا إلى الله بتوبة صادقة. لقد أعطِيَت لهم فترة مِن الوقت قبل حلول الطوفان، حيث وُضِعُوا أثناءها تحت المُراقبة لامتحانهم وإقامة الحُجَّة عليهم، لكنَّهم فشلوا في تحمُّل التجربة. لقد هزمهم الانحطاط المتفشِّي وانضمُّوا أخيرًا إلى غيرهم مِن الذين أفسدتهم السخرية والاستهزاء بنوح الأمين. إنَّهم لم يطرحوا عنهم خطاياهم، بل استمرُّوا في تعدُّد الزوجات والانغماس في شهواتهم الفاسدة. SRAr 64.2

كانت مدَّة امتحانهم قد أوشكت على الانتهاء. وكان ينبغي أنْ يرى غيرُ المؤمنين والمُستهزئون مِن الساكنين على الأرض علامة مميَّزة تدلُّ على قُدرة الله الإلهيَّة. أمَّا نوح فكان قد اتَّبع بكلِّ أمانة وإخلاص الإرشادات التي أعطاها له الله. تمَّ إكمال الفُلكُ بالتمام والكمال بحسب إرشاد الله. لقد استوعب الفلك في خزائنه كمِّيَّات ضخمة مِن الطعام المخصَّص للناس والحيوانات. وبعد أنْ اكتمل هذا كلُّه، أمر الله نوحًا الأمين: «ادْخُلْ أَنْتَ وَجَمِيعُ بَيْتِكَ إِلَى الْفُلْكِ، لأَنِّي إِيَّاكَ رَأَيْتُ بَارًّا لَدَيَّ فِي هذَا الْجِيلِ» (تكوين ٧: ١). SRAr 64.3