قِصَّة الفداء

139/229

المُحاكمة الثانية

«حِينَئِذٍ مَضَى قَائِدُ الْجُنْدِ مَعَ الْخُدَّامِ، فَأَحْضَرَهُمْ لاَ بِعُنْفٍ، لأَنَّهُمْ كَانُوا يَخَافُونَ الشَّعْبَ لِئَلاَّ يُرْجَمُوا. فَلَمَّا أَحْضَرُوهُمْ أَوْقَفُوهُمْ فِي الْمَجْمَعِ. فَسَأَلَهُمْ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ قِائِلاً: ‹أَمَا أَوْصَيْنَاكُمْ وَصِيَّةً أَنْ لاَ تُعَلِّمُوا بِهذَا الاسْمِ؟ وَهَا أَنْتُمْ قَدْ مَلأْتُمْ أُورُشَلِيمَ بِتَعْلِيمِكُمْ، وَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْلِبُوا عَلَيْنَا دَمَ هذَا الإِنْسَانِ›” (أعمال الرسل ٥: ٢٦-٢٨). كما أنَّ استعدادهم لأنْ يقع اللوم عليهم ويكونوا مذنبين بتُهمة قتل يسوع لم يكن هو نفسه عندما رفعوا أصواتهم بالصراخ مع الرعاع: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلى أَوْلادِنَا» (متَّى ٢٧: ٢٥). SRAr 256.2

تابع بطرس مع باقي الرسل نفس أسلوب الدفاع الذي اتَّبعه في مُحاكمته السابقة: «فَأَجَابَ بُطْرُسُ وَالرُّسُلُ وَقَالُوا: ‹يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النَّاسِ›” (أعمال الرسل ٥: ٢٩). إنَّ ملاكًا أرسله الله هو الذي أخرجهم مِن السجن وأمرهم أنْ يُعلِّموا في الهيكل، فإذا أطاعوا توجيهاته كانوا يُطيعون أمر الله، وهذا ما سيواظبون على عمله مهما كلَّفهم ذلك. تابع بطرس القول: «إِلهُ آبَائِنَا أَقَامَ يَسُوعَ الَّذِي أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ مُعَلِّقِينَ إِيَّاهُ عَلَى خَشَبَةٍ. هذَا رَفَّعَهُ اللهُ بِيَمِينِهِ رَئِيسًا وَمُخَلِّصًا، لِيُعْطِيَ إِسْرَائِيلَ التَّوْبَةَ وَغُفْرَانَ الْخَطَايَا. وَنَحْنُ شُهُودٌ لَهُ بِهذِهِ الأُمُورِ، وَالرُّوحُ الْقُدُسُ أَيْضًا، الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُطِيعُونَهُ» (أعمال الرسل ٥: ٣٠-٣٢). SRAr 257.1

حلَّ روح الوحي على الرسل، فالمُشتكى عليهم صاروا هم المُشتكين، إذ ألقوا تهمة قتل المسيح على أعضاء المجمع مِن الكهنة والرؤساء. وقد اغتاظ اليهود جدًّا بسبب هذا كلِّه بحيث صمَّموا على تنفيذ القانون بأنفسهم وبدون محاكمة أخرى وبدون انتظار قرار مِن السُّلطات الرومانيَّة لقتل أولئك الأسرى. فإذ كانت قد ثبتت عليهم تهمة قتل المسيح، كانوا يتوقون الآن لأنْ يلطِّخوا أيديهم بدم رسله. ولكنْ، كان يوجد في المجمع رجل علم ومكانة رفيعة، وقد رأى بذهنه الصافي أنَّ هذه الخطوة العنيفة ستنجم عنها عواقِب وخيمة. لقد أقام الله رجلًا مِن بين مجمعهم ليوقف عنف الكهنة والرؤساء. SRAr 257.2

كان غمالائيل، الطبيب الفرِّيسيّ المتعلِّم، رجلًا شديد الحذر وذا سمعة عظيمة. وهو طلب إخراج الأسرى مِن ذلك المكان قبل أنْ يخاطب الحاضرين بشأنهم. عندئذ بدأ يخاطبهم بكلِّ حرص وهدوء قائلًا: «أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِسْرَائِيلِيُّونَ، احْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ مِنْ جِهَةِ هؤُلاَءِ النَّاسِ فِي مَا أَنْتُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ تَفْعَلُوا. لأَنَّهُ قَبْلَ هذِهِ الأَيَّامِ قَامَ ثُودَاسُ قَائِلاً عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ شَيْءٌ، الَّذِي الْتَصَقَ بِهِ عَدَدٌ مِنَ الرِّجَالِ نَحْوُ أَرْبَعِمِئَةٍ، الَّذِي قُتِلَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَبَدَّدُوا وَصَارُوا لاَ شَيْءَ. بَعْدَ هذَا قَامَ يَهُوذَا الْجَلِيلِيُّ فِي أَيَّامِ الاكْتِتَابِ، وَأَزَاغَ وَرَاءَهُ شَعْبًا غَفِيرًا. فَذَاكَ أَيْضًا هَلَكَ، وَجَمِيعُ الَّذِينَ انْقَادُوا إِلَيْهِ تَشَتَّتُوا. وَالآنَ أَقُولُ لَكُمْ: تَنَحَّوْا عَنْ هؤُلاَءِ النَّاسِ وَاتْرُكُوهُمْ! لأَنَّهُ إِنْ كَانَ هذَا الرَّأْيُ أَوْ هذَا الْعَمَلُ مِنَ النَّاسِ فَسَوْفَ يَنْتَقِضُ، وَإِنْ كَانَ مِنَ اللهِ فَلاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْقُضُوهُ، لِئَلاَّ تُوجَدُوا مُحَارِبِينَ للهِ أَيْضًا» (أعمال الرسل ٥: ٣٥-٣٩). SRAr 257.3

رأى الكهنة أنَّ آراءه معقولة؛ فاضطرُّوا للانقياد إليه، وبتردُّد عظيم أطلقوا السجناء بعدما ضربوهم بالعصيّ وأوصوهم مرارًا وتكرارًا ألَّا يكرزوا مرَّة أخرى باسم يسوع، وإلَّا فسيدفعون حياتهم ثمنًا لجُرأتهم. «وَأَمَّا هُمْ فَذَهَبُوا فَرِحِينَ مِنْ أَمَامِ الْمَجْمَعِ، لأَنَّهُمْ حُسِبُوا مُسْتَأْهِلِينَ أَنْ يُهَانُوا مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. وَكَانُوا لاَ يَزَالُونَ كُلَّ يَوْمٍ فِي الْهَيْكَلِ وَفِي الْبُيُوتِ مُعَلِّمِينَ وَمُبَشِّرِينَ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ» (أعمال الرسل ٥: ٤١-٤٢). SRAr 258.1

إنَّ الذين اضطهدوا الرسل كانوا محقِّين في أنْ يضطربوا عندما رأوا أنَّهم عجزوا عن الإطاحة بشهود المسيح هؤلاء الذين كان لديهم الإيمان والشجاعة ليحوِّلوا عارهم إلى مجد وألمهم إلى فرح مِن أجل سيِّدهم الذي حمل الذلَّ والآلام مِن قبلهم. وهكذا واصل هؤلاء التلاميذ الشجعان التعليم بشكل علنيّ، وبشكل سريّ في البيوت، بطلب مِن ساكنيها الذين لم يجرؤوا على التصريح إيمانهم في العلن خوفًا مِن اليهود. SRAr 258.2