أعما لالرُّسل

51/59

الفصل الخمسون

الحكم علي بلوس بالموت

في اثناء محاكمة بولس الاخيرة امام نيرون كان الامبراطور متأثرا تأثرا عميقا بقوة اقوال الرسول بحيث ارجا الحكم في القضية ، فلا هو اطلق سراح خادم الله المشكو في حقه ولا هو ادانه . ولكن سرعان ماعاد الى الامبراطور حقده على بولس. فإذ كان مغتاظا بسبب عجزه عن ايقاف انتشار الدين المسيحي عند حده حتى في بيت الامبراطور ، فقد قمم انه حالما يجد عذرا مقبولا في الظاهرفسيقتل الرسول . وبعد وقت قصير نطق نيرون بحكمه القاضي بان يموت بولس شهيدا وحيث ان المواطن الروماني لم يكن يسمح بتعذيبه ، فقد حكم على الرسول بقطع رأسه. AR 463.1

وقد اخذ بولس خقية الى مكان الاعدام . ولم يسمح لغير عدد قليل من المشاهدين ان يكونوا عند تنفيذ الحكم ، لأن مضطهديه اذ افزعهم تأثير الرسول الواسع النطاق باتو يخشون ان ينضم الى المسيحية مهتدون جدد لو شاهدوه وهو يموت . ولكن حتى الجنود القساة الذين رافقوهاصغوا الى اقواله ، وقد شاهدوه ذاهلين وهو يواجه الموت ببهجة وفرح . وبالنسبة الى بعض من شاهدو استشهاده كانت روح الغفران التي اظهرها لقاتليهوثقته التي لاتتزعزع في المسيحالى النهاية ، رائحة حياة لحياة. وقد قبل بعض منهم المخلص الذي بشر به بولس ، وبعد قليل ختموا ، هم ايضا شهادة ايمانهم بدمهمبلا خوف . AR 463.2

والى آخر ساعة في حياته شهد بولس لصدق الكلمات التي كتبها قبلا لأهل كونرثوس عندما قال لهم : «لأن الله الذي قال ان يشرق نور من ظلمة ، هو الذي اشرق في قلوبنا ، لانارة معرفة مجد اللهفي وجه يسوع المسيح . ولكن لنا هذا الكنز في اوان خزفية ، ليكون فضل القوة لله لامنا . مكتبئين في كل شيئء، لكن غير متضايقين ، متحيرين ، لكن غير يائيسين ، مضطهدين ن كلن غير متروكين . مطروحين ، لكن غي هالكين . حاملين في الجسد كل حين اماتهة الرب يسوع نلكي تظهر حياة يسوع ايضا في جسدنا» ( 2 كورنثوس 4: 6- 10). لم تكن كفايته في شخصه بل في حضور روح الله وعمله الذي ملأ نفسه واخضع كل فكرة لارادة المسيح . والنبي يعلن قائلا: «ذو الرأي الممكن تحفظه سالما سالما ، لأنه عليك متوكل» ( اشعياء 26 : 3). ان سلام السماءالذي كان يلمع في وجه بولس ربح نفوسا كثيرة للانجيل . AR 464.1

لقد غابت عن نظر الرسول آلامه القادمة في غرمة جزعه على أولئك الذين كان مزمعا ان يتركهم ليكافحوا ضد التعصبوالكراهيةوالاضطهاد. فحاول ان يقوي المسيحيين القليلين الذي رافقوه الى مكان الاعدام ويشجعهم بأن راح يردد المواعيد المقدمة للمضطدهين لأجل البر . و قد اكد لهم انه لايمكن ان تسقط كلمة واحدة من كل ماقاله الرب عن أولاده المجربين الامناء . قد يحزنون الى حين بسبب التجارب المتنوعة وقد يحرمون من المتع الارضية ، ولكن يمكنهم ان يشددوا قلوبهم بقين امانة الله قائلين: «لأنني عالم بمن آمنت ، وموقن انه قادر ان يحفظ وديعتي» ( 2 تموثاوس 1 : 12). فسرعان ما ينتهي ليل التجارب والآلاموحينئذ ينبثق فجر السلما والنهار الكامل المفرح . كان الرسول يتطلع الى الابدية العظيمة لافي غير يقين او خوف بل برجاء مفرح وانتظار وشوق . واذ يقف في مكان الاستشهاد لايرى سيف الجلاد او الارض المزمعة ان تتلقى دمه ولكنه ينظر الى فوقومن خلال السماء الزرقاء الهادئة في ذلك اليوم الصيفي يرى عرش الله السرمدي . AR 464.2

ان رجل الايمان هذا يرى السلم التي رآها يعقوب وهي ترمز الى المسيح الذي ربذ الارض بالسماء ، والانسان المحدود بالله غير المحدود . ثم ان ايمانه يتقوى عندما يذكر كيفاعتمد على الآباء والانبياء على ذاك الذي هو الآن سنده وعزاؤه والذي في سبيله سيسلم حياته للموت. فقد سمع أولئك الرجال القديسين الذي شهدوا لايمانهم من جيل الى جيل وهم يوقنون ويؤكدون بأن الله أمين . ثم ان زملاءه الرسل الذينفي سبيل الكرازة بانجيل المسيح خرجوا ليواجهوا التعصب الديني والخرافات الوثنية والاضطهاد والازدراء ، والذين لم يحسبوا نفوسهم ثيمنة عندهم ليرفعوا نور الصليب عاليا في وسط متاهات الالحاد المظلمة — هؤلاءيسمعهم وهم يشهدون ليسوععلى انه ابن الله ومخلص العالم. فمن فوق آالة التعذيب والآلة التي يشد اليها من يحرقون احياء، ومن السجنومن مغاور وشقوق الارض ، يسمع اصوات هتاف الانتصار من افواه الشهداء. انه يسمع شهادة النفوس الثابتة ، الذين مع انهم كانوا معتازين ومتضايقين ومعذبين قهم يقدمون شهادة مقدسة بلا خوف لايمانهم قائلين: «لأنني عالم بمن آمنت» هؤلاء اذ يسلمون ارواحهم لاجل الايمان يعلنون للعالم ان ذاك الذي قد اتكلوا عليه قادر ان يخلص الى التمام. AR 465.1

ان بولس اذ كان قد افتدي بذبيحة المسيح ، واغتسل وتطهر من خطاياه في دمه واكتسى بثوب بره كانت له الشهادة في نفسه بان نفسه عزيزة في عيني قاديه. ان حياته مستترة مع المسيح في الله وهو مقتنع بأن ذاك الذي قد غلب الموت قادر ان يحفظ وديعته. ان عقله يفهم ويدرك وعد المخلصالقائل : «واانا اقيمه في اليوم الاخير» ( يوحنا 6 : 40). ان افكاره وآماله مركزة في المجيئ الثاني لسيده . واذ يهوي سيف الجلاد وتتجمع ظلمات الموت حول الشهيد ، فإن آخر فكر من افكاره يثب الى الامام كما سيكون الحال بالنسبة لأول فكرة من افكاره في القيامة العظيمة، لملاقاة معطى الحياة الذي سيرحب به الى غبطة المباركين . AR 466.1

لقد مضى مايقرب من عشرين قرنا منذ سفك دم بولس الشيخ كشاهد لكمة الله وشهادة يسوع المسيح . ولم ستجل يد أمينة للأجيال القادمة آخر مشاهد حياة هذا القديس ، الا ان الوحيالالهي قد حفظ لنا شهادته التي نطق بها في ساعة احتضاره ز وقد رن صوته كصوت بوق من جيل الى جيل منذ ذلك الحين مقويا بشجاعته آلافا من شهود المسيح وموقظا في قلوب آلاف ممكن قد صعقهم الحزن صدى فرحه وانتصاره حين قال: «فإني انا لان اسكب سكيبا ، ووقت انحلالي قد حضر . قد جاهدت الجهاد الحسن، اكملت السعي ، حفظت الايمان ، واخيرا قد وضع لي اكليل البر ، الذي يهبه لي في ذلك اليوم، الرب الديان العادل ، وليس لي فقط ، بللجميع الذين يحبون ظهوره ايضا» ( 2 تموثاوس 4 : 6 — 8). AR 466.2