أعما لالرُّسل

29/59

الفصل الثامن والعشرون

أيام عناء وتجارب

(يعتمد هذا الفصل على ماورد في أعمال 19 : 21- 41 ، 20 : 1).

كانت مدينة افسس مركز خدمة بولسثلاث سنين. وقد اقيمت فيها كنيسة مزدهرة ناجحة، ومن هذه المدينة انتشر الانجيل الى كل اقليم آسيابين اليهود والامم على السواء . AR 261.1

كان الرسول الان يفكر لبعض الوقت في القيام برحلةكرازية جديدة. «وضع بولس في نفسه انه بعدما يجتاز في مكدونية وأخائيه يذهب الى اورشليم ، قائلا اني بعد مااصير هناك ينبغي ان أرى رومية أيضا» ( أعمال 19: 21). ووفقا لهذه الحطة ، «ارسل مكدونية اثنين من الذين كانوا يخدمونه تيموثاوس وارسطوس» ( عدد 22). الا انه اذ احس بأن العمل في افسس يتطلب وجوده قرر البقاء هناك الى مابعد يوم الخمسين. ومع ذلك فقد حدث حالا بعد ذلك حادث جعله يسرع في الرحيل . AR 261.2

فكانت تقام في افسس حفلات خاصة تكريما للالهة ارطاميس . هذه الحفلات كانت تجتذب جماهير غفيرة من الناس من كل انحاء الاقليم . ومدة هذه الفترة كانت تقام الولائم والاعياد بأعظم مظاهر الأبهة والبهاء . AR 261.3

وكان موسم هذا العيد وقتا شاقا وقاسيا على الذين اعتنقوا الايمان منذ عهد قريب . كانت جماعة المؤمنين الذين كانوا يجتمعون في مدرسة تيرانس ، نغمة شاذة في لحن العيد المرح. وقد انصبت عليهم شتى الفاظ السخرية والتعيير والاهانات . ولقد اوقعت خدمات بولس ضربات قوية على العبادة الوثنية وكان من نتائج ذلك نفص ملموس في عدد المحتفلين بذلك العيد القومى وفي حماس العابدين. وقد امتد تأثير تعاليم بولس إلى أبعد منفي دائرة المهتدي إلى الايمان. وكثيرون ممن لم يجاهروا بقبول التعاليم الجديدة،استنارت عقولهم بحث ضاعت كل ثقتهم في آلتهتهم الوثنية. AR 262.1

كان يوجد سبب آخر للتذمر . ذلك ان تجارة واسعة مربحة ازدهرت في افسس من صنع تماثيل صغيرة مصنوعة على مثال هيكل الالهة ارطاميس وتمثالها وبيعها للناس. وقد وجد أولئك الذين كان يعنيهم أمر نجاح هذه الصناعة ان ارباحهم بدأت تتناقص ، وقد أجمعت كلمتهم على ان ينسبوا ذلك التبدل الكريه الى خدمات بولس. AR 262.2

ان ديمتريوس الذي كان صانع هياكل فصة اذ دعا الصناع الذين من حرفته قال لهم : «ايها الرجال انتم تعلمون ان سعتنا انما هي من هذه الصناعة . وانتم تنظرون وتسمعون انه ليس من افسس فقط، بل من جميع اسيا تقريبا ، استمال وازاغ بولس هذا جمعا كثيرا قائلا : ان التي تصنع بالايادي ليست آلهة. فليس نصيبنا هذا وجده في خطر من أن يحصل في إهانة، بل ايضا هيكل ارطاميس الالهة العظيمة، ان يحسب لاشيئ، وان سوف تهدم عظمتها ، هي التي يعبدها جميع اسيا والمسكونة». هذه الاقوال اثارت غضب الشعب ، فكانت بمثابة عود الثقاب الذي اضرم النار . «فلما سمعوا امتلأو غضبا ، وطفقوا يصرخون قائلين: «عظيمة هي ارطاميس الافسسيين». وقد انتشر خبر هذا الخطاب بسرعة . «فامتلأت المدينة كلها اضطرابا» ( عد 25 — 29). وقد بحثوا عن بولس ولكنهم لم يجدوه. فإذ علم اخوته بالخطر ، اسرعوا باخراجه من المكان . وقد ارسل ملائكة الله لحراسة الرسول ، لأن الساعة التي فيها سيموت شهيدا لم تكن قد حانت بعد . AR 262.3

فإذا اخفقوا في العثور على هدف غضبهم خطف الرعاع «غايوس وارسترخس المكدونيين ، رفيقي بولس في السفر» واذ اخذوا هذين «واندفعوا بنفس واحدة الى المشهد» ( عدد 29). AR 263.1

ولم يكن المكان الذي اختبأ فيه بولس بعيدا . وسرعان ماعلم بالخطر الذي يتهدد إخويه المحبوبين . فإذ نسى سلامته كان يريد ان يذهب في الحال إلى المشهد ليخاطب أولئك المشاغبين. ولكن : «لم يدعه التلاميذ».إن غايوس وارستخرس لم يكون الفريسة التي كان الشعب يطلبونها . ولذلك فلم يكن ثمة خطر جسيم يتهددهما . ولكن لو انهم رأوا وجه الروسل الشاحب المجهد لكانذلك كفيلا بأن يثير اعنف احاسيس الغضب في صدور الرعاع ، وماكان يمكن لبشر ان ينقذ حياته . AR 263.2

ومع ذلك فقد كان بولس لايزال مشتاقا للدفاع عن الحق امام الجمع . ولكن من قلب المشهد نفسه جاءته رساة انذار ذلك ان «أناس من وجه أسياكانوا اصدقاءه ، ارسلوا يطلبون اليه ان لايسلم نفسه الى المشهد» ( عدد 31). AR 263.3

وقد كان الشغب في المشهد يتفاقم ويزداد : «وكان العض يصرخون بشيئ والبعض بشيئ آخر ، لان المحفل كان مضطربا ، واكثر هم لايدرون لأي شيئكانو قد اجتمعوا» ( عدد 32). هذا وان حقيقة كون بولس ورفاقه من اصل عبراني ، جعل اليهود مشتقاين لأن يبرهنوا بكل وضوح على أنهم لم يكونوا يتعاطفون معه أو يوافقون على عمه . وذلك ابرزوا وحدا من بينهم ليبسط المسألة امام الشعب . كان ذلك الخطيب المختار يدعى اسكندر وكان واحد من الصناع اذ كان نحاسا ، وقداشاة اليه بولس بعد ذلك على انه اظهر له شرورا كثيرة ( 2 تيموثاوس4 : 14). وكان اسكندر هذا رجلا ذا مقدرة عظيمة وقد استخدم كل قوه ليوجه غضب الشعب ضد بولس ورفاقه بوجه خاص . ولكن الجمهور إذ رأو ان اسكندر هذا يهودي ازاحوه جانبا «صار صوت واحد من الجميع صارخين نحو مدة ساعتين عظيمة هي ارطاميس الافسسديين» ( عدد 34). AR 263.4

اخيرا كفوا بعدما اعياهم الصياح وحدث سكوت مؤقت . فقد اسرعى كاتب المدينة انتباه الجمع ونظرا لمركظه اصغى الناس لأقواله . وقد وقف مع الشعب على أرضهم وأبان لهم انه لم يكن هناك مايدعو لذلك الشغب. ثم استنجد بعقلهم ومنطقهم فقال : «ايها الرجال الافسسيون ، من هو الانسان الذي لايعلم ان مدينة الافسسيين متعبدة لأرطاميس الاهلة العظيمةوالتمثال الذي هبط من زفس؟ فإذ كانت هذه الاشياء لاتقاوم ، ينبغي ان تكونوا هادئين ولاتفعول شيئا اقتحاما . لأنكم أتيتم بهذيه الرجلين ، وهما ليسا سارقي هياكل ، ولامجدفين على إلهتكم . فإن كان ديمتريوس والصناع الذين معه لهم دعوة على احد ، فإنه تقام ايام للقضاء ، ويوجد ولاة، فليرافعوا بعضهم بعضا . وإن كنتم تطلبون شيئا من جهة امور اخرى ، فإنه يقضى في محفل شرعي . لأننا في خطر ان نحاكم مناجل فتنة هذا اليوم. وليس علة يمكننا من اجلها ان نقدم حسابا عن هذا التجمع.ولما قال هذا صرف المحفل» «عدد 35 — 41). AR 264.1

كان ديمترويوس قد قال في خطابه : «نصيبا هذا ..في خطر» «أي حرفتنا في خطر» ( عدد 28). هذه الكلمات تكشف عن السبب الحقيقي لذلك الشغبالذي حدث في افسس ، وعن السبب في كثير من الاضطهاد الذي تعرض له الرسل في عملهم .إن ديمترويوس وزملاءه في الصناعة رأوا انه بسبب التعليم بالانجيل ونشر رسالته فان عمل صنع التماثيل كان في خطر . ودخل كهنة الاوثان والصناع كان معرضا للخطير كذلك، ولهذا السصبب أثاروا ضد بولس أعنف مقاومة . AR 264.2

هذا وإن حكم الكاتب وغيره ممكن كانوا يشغلون مراكز محترمة في المدينة اوقف بولس أمام الشعب كرجل بريء من كل عمل غير مشروع.وكان هذا انتصرا جديدا للمسيحية على الضلالات والخرافات . لقد أقام الله واليا عظيما ليبرئ ساحة رسوله ويقف الرعاع الصاخبين عند حدهم . وقد املأ قلب بولس بالشكر لله لأن حياته قد حفظت ولأن المسيحية لم يلحقها عار من الشغب الذي حدث في افسس . AR 265.1

«وبعدما انتهى الشغب ،دعا بولس التلاميذ وودعهم ، وخرج ليذهب الى مكذونية» ( أعمال 20 : 1). وقد رافقه في رحلته هذه اثنان من الاخوة الأمناء في افسس وهما تيخيكس وتروفيمس . AR 265.2

لقد انتهت خدمات بولس في افسس. كانت خدمته هناك فرصة عمل متواصل وتجارب كثيرة وغم شديد . لقد علم الشعب جهارا وفي كل بيت وهو يعلمهم وينذرهم بدموع غزيرة. وقد كان دائما يصطدم بمقاومة اليهود الذين كانوا ينتهزون كل فرصة لاثارة الرأي العام ضده . AR 265.3

واذ كان بولس هذا يصارع المقاومة ويسير متقدما بعلم الانجيل بغيرة لاتعرف الكلل ن ويحري مصالح كنيسة لاتزال حديثة في الايمان ، وفقد كان يحمل على قلبه عبئا ثقيلا نحو كل الكنائس. AR 265.4

ثم ان اخبار الاتاددا الذي حدث في بعض الكنائيس التي كان قد غرسها ، سبتت له حزبا عميقا. وقد بات يخشى ان تظهر كل جهوده التي بذلها لأجلها أنها باطلة . وطالما قضى الليالي ساهراوهو يصلي ويفكر تفكيرا جديا اذ علم بالوسائل المستخدمة لتعطل عمله وابطال مفعوله . وكلما كانت لديه فرصة وكلما كانت حالة الكنائس تستدعي ، كان يكتب اليها موبخا وناصحا ومنذرا ومشجعا . وفي هذه الرسائل لايسهب الرسول في الكلام عن تجاربه، وإنما فيها بعض التلميحاتالى خدماته وآلامه في عمل المسيح. فالجلد والسجن والبرد والجوع والعطش ، والأخطار على اليابسة وفي عرض البحر وفي البرية، ومن مواطنيه ومن الوثنيين ومن اخوة كذبة — كل هذا احتمله لأجل الانجيل . لقد افترى عليه و«شتم» وصار «وسخ كل شيئ» و «تحير» و«اضطهد» و«تضايقمن كل جانب»وكان «يخطار في كل ساعة» وكان «دائما يسلم للموت من اجل يسوع» AR 265.5

وفي وسط عواصف المقاومة التي لم تنقطع وصخب الاعداء ، وهجر الاصدقاء ، كاد يضعف قلب ذلك الرسول الشجاع . ولكنه نظر الى الوراء الى الجلجثة ، وبغيرة جديدة تقدم لينشر معرفة المخلص المصلوب. لقد كان يسير في الطريق المخضببالدامالذي سار فيه المسيحمن قبل . ولم يطلب ان يعفي من هذه الرحب الى ان يلقى بسلاحه عندي قدمي فاديه. AR 266.1