ينصح للكنيسة

80/303

الزواج

” إن لم يتواعدا ”

إن إن في العالم المسيحي من عدم المالاة بتعالم كلمة الله حول زواج المسيحيين بغير المؤمنين ما يدعو إلى الدهشة والرعب. فكثيرون ممن يدعون محبة الله ومخافته يختارون اتباع هوى أفكارهم بدلا من الأخذ بارشاد الحكمة الأزلية, ويعرضون عن التعقل وسداد الحكم ومخافة الله في أمر له علاقته الحيوية بسعادة الطرفين وازدهارهم في هذا العالم والعالم الآخر, ويسلمون قيادهم للدافع الأعمى والتصميم الجموح. CCA 213.1

إن الرجال والنساء الذين هم, في غير هذا المجال, متعقلون وسليمو النية تراهم يصمون آذانهم عن سماع النصح وتوسلات والتماسات الأصدقاء والأقرباء وخدام الله, ويعتبرون التنبيه والتحذير فضولا وقحا. أما الصديق الذي يبلغ به إخلاصه حد افعتراض عليهم فإنهم يعاملونه كعدو, وهذا كله يتمشى مع رغبة الشيطان, الذي يحبك حول النفس خيوط تعويذته, فتصبح مسحورة مفتونة. ثم إن التعقل يفلت عنان ضبط النفس عن عنق الشهوة, فتقبض الشهوات على الزمام حتى تستيقظ الضحية, ولكن بعد فوات الأوان, لتجد نفسها في بؤس وعبودية. ليست هذه صورة من نسج الخيال, وإنما هي سرد للحقائق. إن الله لا يرضى عن زواجات قد حرمها علانية. CCA 213.2

لقد نهى الله إسرائيل قديما عن التزاوج مع الأمم المحيطة بهم : ” لا تصاهرهم. بنتك لا تعط لإبنه. وبنته لا تأخذ لإبنك “ وقد أعطى السبب لذلك, فإن السرمدي الحكمة إذ رأي بسابق علمه عاقبة زواجات كهذه قال : ” لأنه يرد ابنك من ورائي فيعبد آلهة أخرى فيحمي غضب الرب إلهك عليكم ويهلككم سريعا ” “ لأنك أنت شعب مقدس للرب إلهك. وإياك قد اختار الرب إلهك لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب الذين على وجه الأرض “ CCA 214.1

وهناك مناه مماثلة في العهد الجديد عن زواج المسيحيين مع الدنيويين, وفي ذلك يقول الرسول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس : ” المرأة مرتبطة بالناموس ما دام رجلها حيا. ولكن إن مات رجلها فهي حرة لكي تتزوج بمن تريد في الرب فقط “. وفي رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس يكتب أيضا : ” لا تكونوا تحت نير مع غير المؤمنين. لأنه أية خلطة للبر والإثم. وأية شركة للنور مع الظلمة. وأي اتفاق للمسيح مع بليعال. وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن. وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان. فإنكم أنتم هيكل الله الحي كما قال الله أني سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلها وهم يكونون لي شعبا. لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا CCA 214.2

تمسوا نجسا فأقبلكم. وأكون لكم أبا وأنتم تكونون لي بنين وبنات يقول الرب القدار على كل شيء“. CCA 215.1

على شعب الله ألا يقدموا على أمر قد حرمه الله وأن زواجهم بغير المؤمنين هو أمر محرم, ولكن ذوي القلوب غير المتجددة يستجيبون في أغلب الأحيان لرغائبهم, قتعقد, إذ ذاك, زواجات لم يقرها الله, ومن أجل ذلك نرى الكثيرين من الرجال والنساء بلا رجاء وبلا إله في العالم, قد ماتت مطامحهم النبيلة, وهم مكبلون في شرك ابليس بقيود من الظروف. والذين سيطرت عليهم الشهوة والهوى سيجمعون حصادا مرا في هذه الحياة, وربما أفضى بهم مسلكهم إلى هلاك نفوسهم. CCA 215.2

والذين يدعون الحق يدوسون إرادة الله بزواجهم بغير المؤمنين, ويفقدون رضاه ويجعلون طريق توبتهم شائكا. قد يكون غير المؤمن متحليا بصفات أدبية ممتازة, ولكن كونههو أو هي لم يتجاوب مع مطاليب الله, وأهمل خلاصا هذا مقداره يقدم سببا كافيا لوجوب عدم الزواج به. وقد تكون صفات غير المؤمن على مثال ذلك الشاب الذي خاطبهيسوع بقوله : ” يعوزك شيء واحد “ ذلك هو الشيء الوحيد الذي إليه دعت الحاجة. CCA 215.3

أحيانا يحتج البعض بأن غير المؤمن ميال للدين, وهو كل ما يرجى من شريك الحياة, ما عدا شيئا واحدا — إنه ليس مسيحيا حقيقيا. وعلى الرغم من اقتناع المؤمن بعدم لياقة الإرتباط مدى الحياة بغير المؤمن, إلا أن تسمعه من كل عشرة زواجات, ينتصر فيها الهوى. وفي اللحظة التي يتم فيها قطع العهد على المذبح يبدأ الإنحطاط الروحي وتبرد الحماسة الروحية, وتنهار الحصون, الواحد تلو الآخر, إلى أن يقف الزوجان كلاهما جنبا إلى جنب تحت راية الشيطان السوداء. وحتى في احتفال الزواج تعتز روح العالم على الضمير والإيمان والحق. ولا يكون لساعة العبادة في البيت الجديد من حرمة, فقد اختار العريس والعروس أحدهما الآخر, وصرفا يسوع. CCA 215.4

قد لا يظهر غير المؤمن معارضة في العلاقة الجديدة باديء بدء, ولكن حين تعرض تعاليم الحق لتلقى الإعتبار والتقدير يهب, على الفور شعوره, فيقول ” لقد تزوجتني, وقد علمت أنت أني ما أنا. فلست أريد الآن أن يزعجني أحد. وليكن مفهوما, من الآن فصاعدا, أن الحديث حول أفكارك الغريبة يجب أن يتوقف “. إذا أظهر المؤمن أي اهتمام خاص فيما يتعلق بإيمانه فقد يبدو ذلك وكأنه إساءة إلى الطرف الآخر الذي لا رغبة لديه في الحياة المسيحية. CCA 216.1

ثم أن المؤمن يرى أن لا بد له في علاقته الجديدة من التساهل بعض الشيء مع من اختاره هو شريكا لحياته, فيجاريه في الملاهي الدنيوية, شاعرا, باديء ذي بدء, ببعض التردد في الإقدام على ذلك, غير أن اهتمامه بالحق يأخذ في الفتور شيئا فشيئا, ويأخذ الشك وعدم الإيمان مكان الإيمان. لم يكن ليخطر على بال أحد أن ذاك الذي كان مرة مؤمنا ثابتا مخلصا, وتابعا مكرسا للمسيح يمكن أن يصبح الشخص المشكك المتردد كما هو الآن. فيما للتغيير الذي أحدثه ذلك الزواج غير الحكيم ! CCA 216.2

الإتحاد مع أهل العالم أمر خطر. والشيطان يعلم جيدا أن الساعة التي تشهد زواج الكثيرين من الشبان والفتيات هي خاتمة حياتهم الروحية ونهاية نفعهم, فقد ريحهم من المسيح. ربما جاهدوا, إلى حين. ليحبوا حياة مسيحية, غير أن مساعيهم كلها تصطدم بقوة معاكسة تزداد بإطراد. لقد كانوا في وقت مضى يحسبونه امتيازا لهم وفرحا أن يتحدثوا عن إيمانهم ورجائهم, غير أنهم يفقدون الرغبة في طرق هذا الموضوع, لعلهم إن الذي ربطوا مصيرهم به لا رغبة له في هذه الأمور. ونتيجة لذلك يتلاشى من القلب الإيمان بالحق الثمين, ويحوك الشيطان حولهم, بدهاء, نسيجا من الشك. CCA 217.1

”هل يسير اثنان معا أن لم يتواعدا “ ؟ ” ان اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السموات “ ولكن ما أغرب المشهد ! , إذ فيما أحد المتحدين بأوثق الروابط يتعبد لله يكون الآخر لا مباليا ولا مهتما. وبينما يسعى الواحد في طلب الحياة الأبدية, يسلك الآخر في الطريق الواسع المؤدي إلى الموت. CCA 217.2

أن مئات الناس قد ضحوا بيسوع وبالسماء نتيجة لزواجهم بغير المتجددين. أيمكن أن تكون محبة المسيح وصحبته من التفاهة عندهم بحيث يؤثرون عليها صحبة بشر فانين حقيرين ؟ هل السماء قليلة الإعتبار عندهم حتى تجدهم راغبين في المجازفة بمباهجها في سبيل انسان لا يحب المخلص الكريم. CCA 217.3

ماذا يجب أن يفعل كل مسيحي حين يزج به في موقف حرج تمتحن فيه صحة المباديء الدينية ؟ ينبغي له أن يقول بصراحة وبعزم جدير بالإقتداء : ” انا مسيحي حي الضمير وأومن أن اليوم السابع من الإسبوع هو سبت الكتاب المقدس. إيماننا ومبادئنا تقود في اتجاهات متعاكسة. فلا نقدر أن نكون سعدا معا, إذ فيما أنا أواصل السعي للتوصل إلى معرفة أكمل لإرادة الله فسأزداد بعدا عن التشبه بالعالم, وقربا من شبه المسيح. وأنت ان بقيت كما أنت, لا ترى جمالا في المسيح, ولا جاذبية في الحق, فستحب العالم الذي لا أقدر أنا على أن أحبه, بينما سأحب أنا ما لله الذي لا تقوى أنت على محبته. الروحيات إنما تدرك روحيا, وبدون البصيرة الروحية لا تقدر أن تفهم ما يطلبه الله مني, ولا أن تدرك ما يجب علي نحو السيد الرب الذي أخدمه, ولذا فستشعر بأني أهملك لأقوم بواجباتي الدينية, وسوف لا تكون سعيدا, وستغار علي بسبب ما أمحض إلهي من حب, وسأنفرد في إعتقادي الديني. ولكن حين تتبدل آراؤك, ويتجاوب قلبك مع مطاليب الله, وتتعلم أن تحب مخلصي, عندئذ يصبح بالإمكان تجديد علاقتنا “ CCA 218.1

هكذا يضحي المؤمن لأجل المسيح, الأمر الذي يرتاح إليه ضميره, مظهرا أنه يجل الحياة الأبدية بحيث لا يجازف بها. يرى أن بقاءه عازبا خير له من أن يربط مصالحه في الحياة بشخص يختار العالم بدلا من يسوع, ومن شأنه أن يبعده عن صليب المسيح. CCA 218.2

لا يمكن أن يكون القران ميمونا إلا في المسيح. وينبغي لربط الحب البشري الوثقي أن تحاك من المحبة الإلهية, فإن الحب العميق الصادق الخالي من الأنانية لا يمكن أن يسيطر في القلب الذي فيه يحل المسيح. CCA 219.1

حتى وإن تمت الخطبة دون فهم تام منك لصفات من انتويت الإقتران به, فلا تظنن أن هذه الخطبة تلزمك بالضرورة أن تقدم على الزواج وربط حياتك مدى الحياة بشخص لا تستطيع أن تحبه او تحترمه. كن حريصا للغاية في عقد خطبة مشروطة, ولكن لأن تفصم عري الخطبة قبل الزواج خير من الإنفصال بعده كمل يفعل الكثيرون. CCA 219.2

قد تقولين : ” ولكني عاهدته على القبول, فهل أخيس الآن بالعهد ؟ “ فأجيب أنا : انك إذا كنت قد قطعت عهدا لا يتفق مع كلمة الله فأنكسيه دون إبطاء, مهما يكن من أمر. ثم, باتضاع, توبي إلى الله عن هذا الإفتتان الذي قادك إلى مثل هذا التعهد الطائش. فلأن تستردي مثل هذا الوعد في مخافة الله خير لك جدا من أن تثبتيه وتهيني بذلك خالقك. CCA 219.3

لتتسم كل خطوة نحو الزواج بطابع الحشمة والبساطة الإخلاص والعزم الصادق على إرضاء الله وتمجيده. إن للزواج تأثيره في حياة الفرد في العالم الحاضر والآتي كليهما, ولذا ينبغي للمسيحي المخلص ألا يختط لنفسه تدابير لا يوافق عليها الله. CCA 219.4

إن في القلب حنينا إلى الحب البشري, غير أن هذا الحب ليس من القوة أو الطهارة أو النفاسة بحيث يأخذ مكان محبة يسوع, فإنما في المخلص وحده تجد الزوجة الحكمة والقوة والنعمة لمواجهة أعباء الحياة ومسؤولياتها واحتمال احزانها. فينبغي لها أن تتقوى به وتسترشده. ولتسلم له نفسها قبل تسليمها لأي صديق أرضي, ولتأب الدخول في أية علاقة تتعارض مع ذلك. ان طالبي السعادة الحقة يحتاجون, لبلوغها, إلى بركة السماء على كل ما يملكون ويفعلون, وعدم الطاعة له هو الذي يملأ العديد من القلوب والبيوت بؤسا. إياك يا أختي أن تتزوجي بشخص هو لله عدو إلا إذا أردت العيش في بيت لا تفارقه التعاسة والشقاء. CCA 220.1

إن من قد تزوج قبل تجديده يصبح, بفضل تجديده هذا, تحت إلتزام أقوى لأن يكون أمينا لشريكه في الحياة مهما يكن مبلغ اختلافهما في الإيمان, غير أن مطاليب الله ينبغي, مع ذلك, أن تقدم على كل علاقة أرضية, حتى لو نتج عن ذلك مصاعب واضطهادات, فبروح المحبة والوداعة يمكن أن يكون لهذه الأمانة أثرها في ربح الزوج غير المؤمن. CCA 220.2