خواطر من جبل البَرَكَة

25/52

4—الدَّافِع الحَقيـقي إلى الخِدمَة

« اِحْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ » (متى 6: 1)

إن كلام المسيح الذي نطق به فوق الجبل كان تعبيرا عن تعليم حياته غير المنطوق به والذي أخفق الشعب في إدراكه. فإنّهم لم يستطيعوا أن يفهموا كيف أنّه وهو الذي له مثل تلك القوة العظيمة أهمل استخدامها في إحراز ما اعتبروه كالخير الأعظم. فروحهم وبواعثهم ووسائلهم كانت على عكس روحه وبواعثه ووسائله. ففي حين كانوا يَّدعون أنّهم غيورون جداً على كرامة الشريعة، فإنّ تمجيد الذات كان هو الغرض الحقيقي الذي كانوا يسعون إليه، وقد أراد المسيح أن يوضّح لهم أنّ من يحب نفسه هو متعدٍ على الشريعة. ArMB 39.1

ولكنّ المبادئ التي يعتنقها الفريسيون هي نفس صفات البشرية في كل عصر. فالروح الفرّيسية هي روح الطبيعة البشرية، وإذ أبان المُخَلِّص الفرق بين روحه ووسائله وبين روح المعلمين ووسائلهم فان تعليمه ينطبق على الناس في كل عصر بالتساوي. ArMB 39.2

كان الفريسيون في عهد المسيح يحاولون باستمرار أن يظفروا برضى السماء حتى يحصلوا على الكرامة والنجاح العالميين اللذين اعتبروهما أجرا للفضيلة. وفي نفس الوقت كانوا يتباهون بحسناتهم وصدقاتهم أمام الناس ليجتذبوا انتباههم ويحصلوا على سمعة طيبة للقداسة. ArMB 39.3

ولكن المسيح وبخهم على تلك المباهاة معلنا أن الله لا يعترف بمثل تلك الخدمة وأن إطراء الناس وإعجابهم اللذين كانوا يطلبونهما بكل شوق ولهفة كانا هما الأجر الوحيد الذي سيحصلون عليه. ArMB 39.4

فقد قال: « مَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ، لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً » (متى 6: 3، 4). ArMB 39.5

ولكن يسوع لم يعلّم بهذا الكلام. إنّ أعمال الإحسان والرحمة يجب أن تظل أبدا في الخفاء. فإن بولس الرسول وهو يكتب بالهام الرُّوح الْقُدُس لم يُخفِ سخاء المسيحيين في مكدونية وإنكارهم لنفوسهم بل أخبر عن النعمة التي أوجدها المسيح فيهم، وهكذا أُشرب آخرون بنفس الروح. وقد كتب أيضا إلى كنيسة كورنثوس يقول: « غَيْرَتُكُمْ قَدْ حَرَّضَتِ الأَكْثَرِينَ» (2كورنثوس 9: 2). ArMB 39.6

وكلام المسيح يجعل معناه واضحا وصريحا — إنّه في أعمال الخير ينبغي ألاّ يكون الهدف هو الظفر بمديح الناس أو تمجيدهم. إنّ التقوى الحقيقية لا تدفع صاحبها لأن يسعى وراء التظاهر أو المفاخرة. فالذين يشتاقون إلى سماع كلام المديح أو المداهنة ويقتاتون به كخبز لذيذ هم مسيحيون بالاسم فقط. ArMB 39.7

إنّ أتباع المسيح يجب عليهم بأعمالهم الصالحة أن يمجّدوا، لا أنفسهم، بل ذاك الذي قد عملوا تلك الأعمال بنعمته وقوته. إنّ كل عمل صالح يعمل بقوة الرُّوح الْقُدُس، والروح يُعطى لا ليمجد الآخذ بل المعطي. فعندما يشرق نور المسيح في النفس فالشفاه تمتلئ حمدا وشكرا لله. إنّ صلواتكم وإتمامكم لواجبكم وإحساناكم وإنكاركم لذواتكم لن تكون موضوع تفكيركم أو أحاديثكم. فيسوع سيتعظم والذات تختفي والمسيح سيظهر على أنه الكل في الكل. ArMB 39.8

وعلينا أن نعطي بإخلاص لا لكي نعرض أعمالنا الصالحة، بل لنكن مدفوعين بدافع العطف والحب على المتألمين. إن خلوص القصد وإشفاق القلب الحقيقي هو الباعث الذي تقدره السماء. والنفس المُخْلِصة في محبتها والموحدة في تكريسها وتعبدها يعتبرها الله أثمن من ذهب أوفير. ArMB 40.1

وينبغي ألاّ نفكر في الأجر، بل في الخدمة، ومع ذلك فأعمال الشفقة التي تُري في هذه الروح لن تعدم جزاءها. « فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً » (متى 6: 4). وفي حين أنّه حق أنّ الله نفسه هو الأجر العظيم الذي يشمل كل أجر آخر فإنّ النفس تقبله وتتمتع به بقدر ما تتشبّه به في الصفات. إنّ القرين هو وحده الذي يستطيع أن يقدّر قرينه، فإذ نسلم نفوسنا لله لخدمة الإنسانية فهو يعطينا نفسه. ArMB 40.2

كلّ من يعطي مجالا في قلبه وحياته لنهر بركة الله لتجري وتفيض على الآخرين لابدّ أن يحصل في نفسه على أجر عظيم. إنّ سفوح التلال والسهول التي تعدّ قناة تجري فيها الجداول المنحدرة من الجبال لتصل إلى البحر لا تصيبها في ذلك خسارة. فما تقدمه يعوّض لها عنه بمئة ضعف. لأن النهر الذي يجري مترنمًا في طريقه يترك خلفه هبة من الخضرة والنباتات والخصب. العشب النامي على ضفتيه هو أعظم نضرة واخضرارا، والأشجار تكسوها الأوراق الخضراء، والأزهار تزداد عددا وجمالا. فعندما تكون الأرض مقفرة وسوداء تحت حرارة الصيف المحرقة فإنّ خطّاً من الخضرة يحدّد مسار النهر، والسهل الذي فتح حضنه لحمل كنز الجبل (مياه النهر، والسهل الذي فتح حضنه لحمل كنز (مياه النهر) إلى البحر يكتسي بالنضـرة والجمـال — وهذه شهادة عن التعويض الذي تقدمه نعمة الله لكل من يسلمون ذواتهم كقناة تجرى فيها إلى العالم. ArMB 40.3

هذه هي البركة التي ينالها من يظهرون الرحمة للفقراء. يقول إِشَعْيَاء النبي: « أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ. 8 «حِينَئِذٍ يَنْفَجِرُ مِثْلَ الصُّبْحِ نُورُكَ، وَتَنْبُتُ صِحَّتُكَ سَرِيعًا ... وَيَقُودُكَ الرَّبُّ عَلَى الدَّوَامِ، وَيُشْبعُ فِي الْجَدُوبِ نَفْسَكَ، وَيُنَشِّطُ عِظَامَكَ فَتَصِيرُ كَجَنَّةٍ رَيَّا وَكَنَبْعِ مِيَاهٍ لاَ تَنْقَطِعُ مِيَاهُهُ » (إِشَعْيَاء 58: 7- 11). ArMB 40.4

إنّ عمل الإحسان له بركة مضـاعفة. ففي حين أن من يعطي الفقراء يبارك الآخرين فإنه هو نفسه يحصل على بركة أعظم. إنّ نعمة المسيح تربّي في النفس صفات خلقية على عكس الأثرة — صفات تنقي الحياة وتشرفها وتغنيها. وإن أعمال الإحسان التي تُقدَّمُ في الخفاء تربط القلوب معا وتقربها جدّا من قلب ذاك الذي منه تنبعث كل خالجة كريمة. إنّ أعمال الخير الصغيرة وأعمال المحبة والتضحية التي تفيض من الحياة بهدوء كالرائحة العطرة التي تفوح من الزهرة — هذه تكون نصيباً كبيرا من بركات الحياة وسعادتها. وسيُرى أخيرا أنّ إنكار الذات لأجل خير الآخرين وإسعادهم مهما يكن وضيعا ولا يمتدحه أحد في هذا العالم يعترف به في السماء كعلامة اتحادنا بملك المجد الذي من أجلنا افتقر وهو الغني. ArMB 40.5

إنّ أعمال الرحمة قد تعمل في الخفاء ولكنّ نتائجها على أخلاق من يقوم بها لا يمكن إخفاؤها. فإذا كنا نخدم بكل القلب وباهتمام عظيم كتابعين للمســيح فان القلب يكون في حــالة تجــاوب وثيق مع الله، وأذ يرفّ روح الله على نفوسنا فهو يستجلب انسجام النفس المقدسة استجابة للّمسة الإلهية. ArMB 41.1

إنّ من يقدم وزنات كثيرة لمن قد أحسنوا استخدام الوزنات المسلّمة لهم يسرّه أن يعترف بخدمة شعبه المؤمن بالحبيب الذي قد عملوا بنعمته وقوته. إنّ من قد اجتهدوا في تحسين الخلُق المسيحي وإكماله باستخدام قواهم في الأعمال الصالحة سيحصدون ما قد زرعوه في العالم الآتي. فالعمل الذي بُدئ به على الأرض سيبلغ حد الكمال في تلك الحياة الأسمى والأقدس ليبقى مدي دهور الأبد. ArMB 41.2