خواطر من جبل البَرَكَة

24/52

« فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ » (متى 5: 48)

إنّ « الفاء » المذكورة هنا تدل على النتيجة أو الاستنتاج من كل ما سبق فقيل. لقد كان يسوع يصف لسامعيه رحمة الله ومحبته اللتين لا ينضب معينهما، ولذلك فهو يأمرهم بأن يكونوا كاملين. فلأن أباكم السماوي « مُنْعِمٌ عَلَى غَيْرِ الشَّاكِرِينَ وَالأَشْرَارِ » (لوقا 6: 35)، ولأنه تنازل ليرفعكم، فلذلك هكذا قال يسوع يمكنكم أنتم أيضا أن تصيروا مثله في الصفات وتقفوا بلا لوم أمام الناس والملائكة. ArMB 37.1

إنّ شروط الحياة الأبدية في عهد النعمة هي نفس الشروط التي كانت في جنة عدن — أي البرّ الكامل، والتوافق مع الله والامتثال لمبادئ شريعته. ومقياس الخلق المقدم في العهد القديم هو نفس المقياس المقدم في العهد الجديد. وهذا المقياس ليس مّما نعجز عن بلوغه. وفي كل أمر أو وصية يقدمها الله يوجد وعد إيجابي وأكيد جدّاً يكمن في ذلك الأمر. ولقد أعدّ الله العدة لكي نصير مثله وهو سيتم هذا لكل من لا يدخلون إرادة فاسدة منحرفة وهكذا يبطلون نعمته. ArMB 37.2

لقد أحبنا الله حبا لا يعبّر عنه، وإنّ محبتنا تستيقظ نحوه عندما ندرك شيئاً عن الطول والعرض والعمق والعلو لهذه المحبة الفائقة المعرفة. وبواسطة إعلان جمال المسيح الجذاب وبواسطة معرفة محبته التي أظهرت لنا ونحن بعد خطاة يذوب القلب العنيد العاصي ويخضع ويتجدد الخاطئ ويصبح ابنا للسماء. إنّ الله لا يلجأ إلى إجراءات الإلزام أو الإرغام، فالمحبة هي الوسيلة التي يستخدمها لطرد الخطية من القلب، إذ بواسطتها تتبدل الكبرياء إلى وداعة والعداء وعدم الإيمان إلى حب وإيمان. ArMB 37.3

كان اليهود يكدّون ويتعبون ليبلغوا حد الكمال بجهودهم ولكنهم أخفقوا. وقد سبق المسيح فقال لهم إنّ إِبْرَاهِيم لا يمكن أن يدخلهم إلى ملكوت السَّمَاوَات. وها هو الآن يرشدهم إلى نوع البرّ الذي يملكه كل من يدخلون السماء. ففي كل الموعظة على الجبل يصف ثمار ذلك البرّ، والآن هو يرشدهم في حملة واحدة إلى نبعه وطبيعته: كونوا كاملين كما أنّ الله كامل. إنّ الشريعة هي صورة طبق الأصل من صفات الله. فانظروا في أبيكم السماوي إظهارا كاملا للمبادئ التي هي أساس حكمه. ArMB 37.4

الله محبة. والمحبة والنور والفرح تفيض منه إلى كل خلائقه كما تنبعث أشعّة النور من الشمس. فطبيعته أنّه يعطي. ونفس حياته هي فيض المحبة غير المُحبّة لذاتها وهو يأمرنا أن نكون كاملين كما هو كامل — بنفس الكيفية. علينا أن نكون مبعث النور والبركة في محيطنا الضيق كما هو لكل المسكونة. إنّنا لا نملك شيئاً من أنفسنا ولكن نور محبته يشرق علينا. وعلينا أن نعكس بهاء تلك المحبة. « في جوده المقترض يوجد خير »، فيمكننا أن نكون كاملين في محيطنا كما أن الله كامل في محيطه. ArMB 37.5

قال يسوع: كونوا كاملين كما أنّ أباكم كامل. فإذا كنتم أولاد لله فستكونون شركاءه في طبيعته ولا يسعكم إلاّ أن تكونوا مثله. فكل ابن يحيا بحياة أبيه. فإذا كنتم أولادا لله — مولودين بروحه — فأنتم تحيون بحياة الله. ففي المسيح يحل « كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا » (كُولُوسِّي 2: 9) وتظهر حياة يسوع « في جسدنا المائت » (2كورنثوس 4: 11). فتلك الحياة التي فيكم ستنتج نفس الصفات وتظهر نفس الأعمال كما قد تظهر نفس الأعمال كما قد ظهر فيه. وهكـذا تكـونون في وفـاق مع كـل وصيـة من وصـايا شـريعته، لأنّ « نَامُوسُ الرَّبِّ كَامِلٌ يَرُدُّ النَّفْسَ » (مزمور 19: 7). وعن طريق المحبة « يَتِمَّ حُكْمُ النَّامُوسِ فِينَا، نَحْنُ السَّالِكِينَ لَيْسَ حَسَبَ الْجَسَدِ بَلْ حَسَبَ الرُّوحِ » (رومية 8: 4). ArMB 37.6