قِصَّة الفداء

173/229

شهادة بولس الأخيرة

اقتيد بولس خفية إلى مكان الإعدام. ولم يُسمح لغير عدد قليل مِن المشاهدين أنْ يكونوا حاضرين عند تنفيذ الحُكم، وذلك لأنَّ مضطهِديه، إذ أفزعهم التأثير الواسع النطاق الذي كان للرسول، باتوا يخشون أنْ ينضمَّ إلى المسيحيَّة مهتدون جدد في حال شاهدوه وهو يموت. ولكنْ، حتَّى الجنود القُساة الذين تمَّ تعيينهم لمرافقته أصغوا إلى أقواله، وقد شاهدوه في ذهول وهو يُواجه الموت ببهجة وبفرح. وكانت روح الغفران التي أظهرها لقاتليه وثقته التي لا تتزعزع في المسيح إلى النهاية رائحة حياة لحياة بالنسبة للذين شاهدوا استشهاده. وقد قَبِل بعضٌ منهم المُخلِّص الذي بشَّر به بولس، وختموا إيمانهم بدمائهم. SRAr 316.2

كانت حياة بولس، حتَّى آخر ساعة، تشهد لصدق كلماته التي كتبها في رسالته الثانية لأهل كورنثوس: «لأَنَّ اللهَ الَّذِي قَالَ: ‹أَنْ يُشْرِقَ نُورٌ مِنْ ظُلْمَةٍ›، هُوَ الَّذِي أَشْرَقَ فِي قُلُوبِنَا، لإِنَارَةِ مَعْرِفَةِ مَجْدِ اللهِ فِي وَجْهِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. وَلكِنْ لَنَا هذَا الْكَنْزُ فِي أَوَانٍ خَزَفِيَّةٍ، لِيَكُونَ فَضْلُ الْقُوَّةِ ِللهِ لاَ مِنَّا. مُكْتَئِبِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، لكِنْ غَيْرَ مُتَضَايِقِينَ. مُتَحَيِّرِينَ، لكِنْ غَيْرَ يَائِسِينَ. مُضْطَهَدِينَ، لكِنْ غَيْرَ مَتْرُوكِينَ. مَطْرُوحِينَ، لكِنْ غَيْرَ هَالِكِينَ. حَامِلِينَ فِي الْجَسَدِ كُلَّ حِينٍ إِمَاتَةَ الرَّبِّ يَسُوعَ، لِكَيْ تُظْهَرَ حَيَاةُ يَسُوعَ أَيْضًا فِي جَسَدِنَا» (٢كورنثوس ٤: ٦-١٠). لم تكن كفايته في شخصه، بل في حضور روح الله وعمله الذي ملأ نفسه وأخضع كلَّ فكر لإرادة المسيح. إنَّ حياته الشخصيَّة كانت مثالًا للحقِّ الذي كرز به، وهذه الحقيقة أضفت على كرازته قوَّة إقناع عظيمة. والنبيُّ يُعلن قائلًا: «ذُو الرَّأْيِ الْمُمَكَّنِ تَحْفَظُهُ سَالِمًا سَالِمًا، لأَنَّهُ عَلَيْكَ مُتَوَكِّلٌ» (إشعياء ٢٦: ٣). إنَّ سلام السماء الذي كان يلمع في وجه بولس ربح نفوسًا كثيرة للإنجيل. SRAr 317.1

كان الرسول يتطلَّع إلى الأبديَّة العظيمة لا بغير يقين أو خوف، بل برجاء مُفرح وانتظار مُشوِّق. وإذ وقف في مكان الاستشهاد، لم يرَ سيف الجلَّاد اللامع ولا الأرض الخضراء المُزمعة أن تستقبل دمه قريبًا؛ لكنَّه نظر إلى فوق ومِن خلال السماء الزرقاء الهادئة في ذلك اليوم الصيفيّ ليرى عرش الله السرمديّ، وحال لسانه يقول، «يا ربُّ، أنت عزائي ونصيبي. متى أضمُّك إليَّ؟ متى أعاينك وجهًا لوجه، دون حاجز يفصل بيننا؟». كان بولس يحمل معه جوَّ السماء خلال حياته على الأرض. وكلُّ مَن عاشروه أحسّوا بقوَّة اتِّحاده بالمسيح ورفقة الملائكة، وهنا تكمُن قوَّة الحقِّ. إنَّ قوَّة الحياة المقدَّسة غير المقصودة والتي لا يحسُّ بها صاحبها هي أقوى عِظة مُقنعة يمكن تقديمها في صالح المسيحيَّة. إنَّ الحجَّة، حتَّى عندما تكون قويَّة لا تُرَدّ، قد لا يكون لها تأثير سوى إثارة المقاومة؛ أمَّا الحياة المثاليَّة المقدَّسة فلها قوَّة يستحيل مقاومتها مقاومة تامَّة. SRAr 317.2

وبينما غابت عن نظر الرسول آلامه القادمة، شعر بقلق عميق على التلاميذ الذين كان مزمعًا أنْ يتركهم ليكافحوا ضدَّ التعصُّب والكراهيَّة والاضطهاد. فحاولَ أنْ يُقوِّي المسيحيِّين القلائل الذين رافقوه إلى مكان الإعدام وشجَّعهم مِن خلال إعادة ذِكر المواعيد الثمينة المُقدَّمة للمُضطهَدين لأجل البِرّ. وقد أكَّد لهم أنَّه لا يمكن أنْ تسقط كلمة واحدة مِن كلِّ ما قاله الربُّ عن أولاده المُجرَّبين الأمناء. إنَّهم سيقومون ويستنيرون؛ لأنَّ نور الربِّ سيُشرق عليهم. وسيلبسون ثياب جَمالهم حين يُستعلن مجد الربِّ. قد يحزنون إلى حين بسبب التجارب المتنوِّعة، وقد يُحرَمون مِن المُتع الأرضيَّة؛ ولكنْ عليهم أنْ يُشدِّدوا قلوبهم قائلين: «أنا عالِمٌ بمن آمنتُ، وموقن أنَّه قادر أنْ يحفظ وديعتي. سرعان ما ينتهي تأديبه، وحينئذ ينبثق فجر السلام والنهار الكامل المُفرح”. SRAr 318.1

إنَّ رئيس خلاصنا قد أعدَّ خادمه للصراع العظيم الأخير. إنَّ بولس الذي افتُدى بذبيحة المسيح، واكتسى بثوب برِّه، واغتسل وتطهَّر مِن خطاياه في دم المسيح، كانت له الشهادة في نفسه بأنَّ نفسه عزيزة في عينيّ فاديه. إنَّ حياته مُستترة مع المسيح في الله، وهو مُقتنع بأنَّ ذاك الذي غلب الموت قادر أنْ يحفظ وديعته. إنَّ عقله يفهم ويُدرك وعد المُخلِّص: «أَنَا أُقِيْمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيْرِ» (يوحنَّا ٦: ٤٠). إنَّ أفكاره وآماله مُركَّزة في المجيء الثاني لسيِّده. وإذ يهوي سيف الجلَّاد وتتجمَّع ظلمات الموت حول الشهيد، فإنَّ آخر فكرة مِن أفكاره تقفز إلى الأمام، كما سيكون الحال بالنسبة لأوَّل فكرة مِن أفكاره في القيامة العظيمة، لملاقاة مُعطي الحياة الذي سيرحِّب به إلى غبطة المبارَكين. SRAr 319.1

لقد مضى ما يقرب مِن عشرين قرنًا منذ سُفك دم بولس الشيخ كشاهد لكلمة الله وشهادة المسيح. ولم تسجِّل يد أمينة للأجيال القادمة آخر مشاهد حياة هذا القدِّيس؛ إلَّا أنَّ الوحي الإلهيَّ قد حفظ لنا شهادته التي نطق بها في ساعة احتضاره. وقد رنَّ صوته كصوت بوق مِن جيل إلى جيل مِن ذلك الحين مُقوّيًا بشجاعته آلافًا مِن شهود المسيح وموقِظًا صدى فرحه وانتصاره في قلوب آلاف مِمَّن قد صعقهم الحزن حين قال: «فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيبًا، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا» (٢تيموثاوس ٤: ٦-٨). SRAr 319.2