الصراع العظيم

336/424

الفصل الثالث و الثلاثون — الخدعة الاولى العظيمة

منذ بدء تاريخ الانسان شرع الشيطان يبذل محاولاته ليخدع جنسن ا. فذاك الذي حرَّض ساكني السماء على الثورة اراد ان يجعل سكان الارض يشتركون معه في حربه ضد حكم الله وسلطانه . لقد كان آدم وحواء في منتهى السعادة وهما يطيعان شريعة الله، وكانت هذه الحقيقة شهادة دائمة ضد الادعاء الذي اشاعه الشيطان في السماء، والقائل بأن شريعة الله ظالمة وصارمة وهي تتعارض مع خير خلائقه . وفضلا عن هذا فإن الشيطان ثار حسده وهو يرى ذلك البيت الجميل الذي قد أعد لذينك الزوجين البارين، فعقد العزم على اسقاطهما، حتى اذا فصل بينهما وبين الله واخضعهما لسلطانه يمكنه ان يمتلك الارض، وفيها يوطد مملكته، ومنها يقاوم حكم الله العلي. GC 578.1

ولو كان الشيطان قد اظهر نفسه على حقيقتها لطرد في الحال لان آدم وحواء كانا قد أنذرا بالحذر من هذا العدو الخطر، لكنّه كان يحيك مؤامراته في الظلام مخفيا نواياه ليتمم غرضه ويصل الى هدفه بطريقة فعالة . واذ اتخذ الحية وسيلة ومطية له، وكانت آنذاك مخلوقة ساحرة في منظرها، تقدم من حواء فقال: ”أحقا قال الله لا تأكلا من كل شجر الجنة؟“ (تكوين ٣ : ١). ولو كفَّت حواء عن الدخول في جدال مع المجر ب لسلمت منه ،ولكنها خاطرت بنفسها بمناقشته فسقطت فريسة مكايده . وهكذا ينهزم كثيرون . فهم يشكون ويجادلون في مطالب الله وبدلا من اطاعة الاوامر الالهية يقبلون النظريات البشرية التي تختفي تحتها مكايد الشيطان. GC 578.2

”فقالت المرأة للحية من ثمر الجنة نأكل . وأما ثمر الشجر ة التي في وسط الجنة فقال الله لا تأكلا منه ولا تمساه لئلا تموت ا. فقالت الحية للمرأة لن تموتا بل الله عالم أنه يوم تأكلان منه تنفتح عينكما وتكونان كالله عارفين الخير والشر“ (تكوين ٣: ٢ — ٥). لقد أعلن الشيطان انهما سيكونان كالله، اكثر حكمة وتأهلا لحالة وجود اسمى . وقد خضعت حواء للتجربة وبواسطة تأثيرها سقط آدم في الخطيئة. قبلا أقوال الحية ان الله لم يكن يعني ما قال . شكَّا في خالقهما وتصورا انه يحد من حريتهما وانهما قد يحصلان على حكمة عظيمة ورفعة وسمو لو تعديا شريعته. GC 579.1

ولكن ما المعنى الذي اكتشفه آدم بعد س قوطه للقول: ”يوم تأكل منه موتا تموت“؟ هل وجده يعني انه سيدخل حالة وجود اسمى كما قد جعله الشيطان يعتقد ؟ فلو كان الامر كذلك لكان في التعدي والعصيان فائدة وغُنم عظيمان ولتبرهن ان الشيطان محسن للجنس البشري ذو أياد بيض . لكنّ آدم لم يجد أن هذا هو معنى قول الله. وقد اعلن الرب لآدم انه لا بد ان يعود الى الارض التي منها أخذ قصاصا له على خطيئته. ”لأنك تراب والى تراب تعود“ (تكوين ٣ : ١٩). وقد تبرهن صدق قول الشيطان ”تنفتح اعينكما“ بهذا المعنى فقط . فبعدما عصى آدم وحواء الله انفتحت اعينهما ليريا جهالتهما ويفطنا الى غبائهم ا . لقد عرفا الشر وذاقا مرارة ثمار العصيان. GC 579.2

وفي وسط جنة عدن كانت توجد شجرة الحياة التي في ثمارها قوة على اطالة العمر . فلو ظل آدم مطيعا لله لكان قد بقي ينعم بالوصول بكل حرية الى هذه الشجرة ولكان يحيا الى الابد . ولكن عندما اخطأ حُرِّم عليه الاكل من شجرة الحياة فصار عرضة للموت . ان قول الله: ”انك تراب والى تراب تعود“ يشير الى القضاء على الحياة قضاء مبرماً. GC 579.3

ان الخلود الذي كان الانسان قد وُعد به لقاء الطاعة اضاعه بعصيانه . ولم يكن آدم يستطيع ان ينقل الى ذريته شيئا لم يكن هو يمتلكه، ولم يكن هنالك رجاء لجنسنا الساقط لولا ان الله جعل الخلود في متناول ايدينا اذ بذل ابنه لأجلن ا. ففي حين ”اجتاز الموت الى جميع الناس اذ أخطأ الجميع“ فان المسيح ”أنار الحياة والخلود بواسطة الانجيل“ (رومية ٥ : ١٢ ؛ ٢ تيموثاوس ١ : ١٠). ولا يمكن الحصول على الخلود الا بواسطة المس يح وحده . وقد قال يسوع: ”الذي يؤمن بالابن له حياة ابدية . والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة“ (يوحنا ٣ : ٣٦). ويمكن لكل انسان ان يحصل على هذه البركة التي لا تقدر بثمن اذا تمم الشروط. كل ”الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء“ فسيحصلون على ”الحياة الابدية“ (رومية ٢ : ٧). GC 580.1

والشخص الوحيد الذي وعد آدم بالحياة مع العصيان هو المخادع العظيم . إن اعلان الحية لحواء في جنة عدن — ”لن تموتا“ — كان اول عظة القيت عن خلود النفس . لكنّ هذا الاعلان الذي يستند الى سلطان الشيطان لا سواه تردد صداه الم نابر في كل العالم المسيحي وغالبية بني الانسان يقبلونه بالسرعة نفسها التي قبله بها ابوانا الاولان . وان حكم الله القائل: ”النفس التي تخطئ هي تموت“ (حزقيال ١٨ : ٢٠) صار يعني ان النفس التي تخطئ لن تموت بل تحيا الى الابد . ولا يسعنا الا ان ندهش من الولع الغر يب الذي يجعل الناس سذجا جدا بالنسبة الى اقوال الشيطان وعديمي الايمان جدا في ما يختص بأقوال الله. GC 580.2

ولو سمح للانسان بعد سقوطه بالتناول من ثمر شجرة الحياة لكان يحيا الى الابد، وهكذا كانت الخطية تبقى خالدة الى الابد . لكنّ الكروبيم ولهيب السيف المتقلب حرسا ”طريق شجرة الحياة“ (تكوين ٣ : ٢٤). ولم يسمح لأي واحد من بني آدم بتجاوز ذلك السياج ليتناول من الثمرة الواهبة الحياة . ولذلك فلا خاطئ خالداً. GC 580.3

لكنّ الشيطان أمر ملائكته بعد السقوط ان يبذلوا جهدا خاصا في تلقين الناس عقيدة خلود النفس، واذ أغري الناس بقبول هذه الضلا لة كان عليهم ان يجعلوهم يستنتجون ان الخاطئ سيحيا في شقاء ابدي . والآن فها سلطان الظلمة وهو يعمل عبر اعوانه يصور الله طاغية محبا للانتقام، ويعلن انه تعالى يطرح في اعماق الجحيم جميع الذين لا يرضونه ويجعلهم يحسون بشدة وطأة غضبه مدى اجيال الابد، وفيما هم يقاسو ن اهوال العذاب الذي لا يوصف ويتلوون في النار الابدية فان خالقهم يشرف عليهم من عليائه بلذة ورضى وسرور. GC 581.1