الصراع العظيم

187/424

الفصل السابع عشر — البشيرون بقدوم الصباح

من أروع الحقائق المعلنة في الكتاب المقدس وأرهبها وأمجدها في الوقت نفسه حقيقة المجيء الثاني للمسيح ليكمل عمل الفداء العظيم . فشعب الله المتغرب المتروك طويلا ليتغرب في ”أرض ظلال الموت“ يُعطى رجاءً مفرحا في الوعد بمجيء ذاك الذي هو ”القيامة والحياة“، ”ليرد منفيَّه“. ان تعليم المجيء الثاني هو محور الكتاب المقدس . فمنذ خرج أبوانا الاولان من عدن كاسفين حزينين ظل أبناء الايمان ينتظرون مجيء ذاك الموعود به ليحطم سلطان المُهلِك ويعيدهم الى الفردوس المفقود . وقد كان رجال الله القديسون قديما يتشوّقون الى مجيء مسيا في مجده كمنتهى رجائهم . ان اخنوخ الذي كان السابعَ من آدم والذي لمدة ثلاثة قرون سار مع الله أعطي له وعد بأن يرى من بعيد مجيء المخلص . فاعلن قائلا: ”هوذا قد جاء الرب في ربوات قديسيه ليصنع دينونة على الجميع“ (يهوذا ١٤ و ١٥). وأيوب الشيخ الوقور صاح من وسط بلواه بثقة عظيمة قائلا: ”أما أنا فقد علمت أن وليِّي حي والآخر على الأرض يقوم...“ (أيوب ١٩ : ٢٥) ”ومن جسدي أعاين الله الذي أنا أعاينه بنفسي وعيناي تريانه لا غيري“ (أيوب ١٩ : ٢٦ و ٢٧ — ترجمة سنة ١٨٧٨). GC 334.1

ان مجيء الم سيح ليحقق مُلك البِر ألهم الكتَّاب القديسين باسمى الاقوال الحماسية. لقد تكلم شعراء الكتاب وأنبياؤه طويلا عن هذا الامر بكلام يتوهج بالنار السماوية . ولقد تغنى صاحب المزامير بعظمة ملك اسرائيل وقدرته وجلاله، فقال: ”من صهيون كمال الجمال الله اشرق . يأتي الهنا ولا يصمت ... يدعو السموات من فوق الارض الى مداينة شعبه“ .(مزمور ٥٠ : ٢ — ٤). ”لتفرح السموات ولتبتهج الارض ... أمام الرب لانه جاء . جاء ليدين الارض . يدين المسكونة بالعدل والشعوب بامانته“ (مزمور ٩٦ : ١١ — ١٣). GC 335.1

وقال النبي أشعياء: ”تحيا أمواتك تقوم الجثث استيقظو ا ترنموا يا سكان التراب لان طلك طل اعشاب الارض تسقط الاخيلة“. ”يبلع الموت الى الأبد ويمسح السيد الرب الدموع عن كل الوجوه وينزع عار شعبه عن كل الارض لان الرب قد تكلم . ويقال في ذلك اليوم هوذا هذا الهنا انتظرناه فخلصن ا. هذا هو الرب انتظرناه. نبتهج ونفرح بخلاصه“ (إشعياء ٢٦ : ١٩ ؛ ٢٥: ٨ و ٩). GC 335.2

وحبقوق وهو ذاهل من جلال الرؤيا المقدسة أبصر السيد في مجيئه فقال : ”الله جاء من تيمان والقدوس من جبل فاران ... جلاله غطى السموات . والارض امتلأت من تسبيحه . وكان لمعان كالنور“. ”وقف وقاس الارض نظر فرجف الامم ودُكت الجبال الدهرية وخ سفت آكام القدم . مسالك الازل له“. ”ركبت خيلك مركباتك مركبات الخلاص“ ”أبصرتك ففزعت الجبال ... أعطت اللجة صوتها رفعت يديها الى العلاء . الشمس والقمر وقفا في بروجهما لنور سهامك الطائرة للمعان برق مجدك“. ”خرجت لخلاص شعبك لخلاص مسيحك“ (حبقوق ٣ : ٣ و ٤ و ٦ و ٨ و ١٠ و ١١ و ١٣). GC 335.3

وعندما كان المخلص موشكا أن يرحل عن تلاميذه عزاهم في حزنهم بيقين مجيئه الثاني، قائلا لهم: ”لا تضطرب قلوبكم ... في بيت أبي منازل كثيرة ... أنا أمضي لاعد لكم مكان ا. وان مضيت وأعددت لكم مكانا آتي أيضا وآخذكم اليَّ“ (يوحنا ١٤ : ١ — ٣). ”متى جاء ابن الانسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس على كرسي مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب“ (متى ٢٥ : ٣١ و ٣٢). GC 335.4

ثم أن الملاكين اللذين بقيا على جبل الزيتون بعد صعود المسيح رددا على مسامع التلاميذ الوعد بمجيئه قائلين: ”ان يسوع هذا الذي ارتفع عنكم الى السماء سيأتي هكذا كما رأيتموه منطلقا الى السماء“ (أعمال ١ : ١١). واذ كان بولس الرسول يتكلم بروح الالهام شهد قائلا: ”لان الرب نفسه بهتاف بصوت رئيس ملائكة وبوق الله سوف ينزل من السماء“ (١ تسالونيكي ٤ : ١٦). وها هو نبي بطمس يقول: ”هوذا يأتي مع السحاب وستنظره كل عين“ (رؤيا ١ : ٧). GC 336.1

حينئذ فان مملكة المسيح التي ظل الشعب يتوق اليها طويلا والتي هي مملكة السلام ستثبت تحت كل السماء. ”فان الرب قد عزَّى صهيون عزَّى كل خربها ويجعل بريتها كعدن وباديتها كجنة الرب“. ”يدفع اليه مجد لبنان بهاء كرمل وشارون“ .”لا يقال بعد لكِ مهجورة ولا يقال بعد لارضك موحشة بل تدعين حفصيبة (بهجتي) وأرضك تدعى بعولة“ ”كفرح العريس بالعروس يفرح بكِ اله كِ“ (إشعياء ٥١ : ٣؛ ٣٥ : ٢؛ ٦٢ : ٤ و ٥). GC 336.2

لقد كان مجيء الرب رجاء اتباعه الامناء في كل عصر. ووعد المخلص الوداعي الذي اعطاه على جبل الزيتون بأنه سيأتي ثانية أنار المستقبل أمام تلاميذه مالئا قلوبهم فرحا ورجاء لم يكن للحزن أن يطفئه ولا للتجارب أن تظلمه. ففي وسط الألم والاضطهاد كان ”ظهور الله العظيم ومخلصنا يسوع المسيح“ هو “الرجاء المبارك“. ان مسيحيي تسالونيكي اذ كانت قلوبهم مفعمة حزنا وهم يدفنون أحباءهم الذين كانوا يرجون أن يعيشوا حتى يروا مجيء الرب وجّه معلمهم بولس أفكارهم الى أن القيامة ستحدث عند مجيء ا لمخلص. وحينئذ سيقوم الاموات في المسيح، ويخطفون مع الاحياء لملاقاة الرب في الهواء. قال: ”وهكذا نكون كل حين مع الرب . لذلك عزوا بعضكم بعضا بهذا الكلام“ ( ١تسالونيكي ٤: ١٧ — ١٨ ). GC 336.3

واذ كان التلميذ الحبيب في جزيرة بطمس الصخرية سمع هذا الوعد: ”أنا آت سريع ا“، فجاء جوابه المشتاق مجاهرا بطلبة الكنيسة في كل غربتها قائلا: ”آمين تعال أيها الرب يسوع“ (رؤيا ٢٢ : ٢٠ ). GC 337.1

فمن أعماق ظلمات السجون، ومن فوق المنصّات التي أعدت لحرق الضحايا، والمشانق التي من فوقها شهد الشهداء والقديسون للحق يجيء نطق ايمانهم ورجائهم عبر أجيال التاريخ. فاذ كانوا ”متحققين من قيامة السيد، ومتحققين تبعا لذلك من قيامتهم عند مجيئه — ”كما يقول أحد هؤلاء المسيحيين — ”ازدروا بالموت لانهم كانوا متعالين عليه“ (٢٧٤). كانوا راغبين في النزول الى القبر لكي ”يقوموا أحرار ا“ (٢٧٥). كانوا ينتظرون ”أن يأتي الر ب من السماء في السحاب بمجد أبيه“ ”ليأتي للابرار بازمنة الملكوت“. وكان الولدنسيون يعتنقون هذا الايمان نفسه (٢٧٦). وكان ويكلف يتطلع الى الامام الى ظهور الفادي كأنه رجاء الكنيسة (٢٧٧). GC 337.2

وقد أعلن لوثر قائلا : ”اني مقتنع بكل يقين ان يوم الدينونة لن يتأخر بعد اليوم ثلاث مئة سنة كاملة . فالله لا يقدر ولن يستطيع الصبر على هذا العالم الشرير أكثر من هذ ا“. ”ان اليوم العظيم يقترب وفيه ستخرب مملكة الارجاس“ (٢٧٨). GC 337.3

وقد قال ميلانكثون : ”ان هذا العالم الهرم ليس بعيدا من نهايته“ وكلفن يأمر المسيحيين ”ألا يترددوا بل أن يشتاقوا بكل حرارة الى مجيء المسيح كأسعد حدث“. وهو يعلن ”أن كل أسرة الامناء يجعلون ذلك اليوم نصب عيونهم دائم ا“. ويقول :”ينبغي لنا أن نجوع الى المسيح ونطلب ونتأمل حتى يبزغ فجر ذلك اليوم العظيم عندما يعلن الرب مجد ملكوته كاملا“ (٢٧٩). GC 337.4

وقد قال نوكس المصلح الاسكوتلاندي: ”ألم يحمل ربنا يسوع جسدنا الى السماء؟ وهل هو لن يعود؟ نحن نعلم أنه سيعود وسيعود سريع ا“. وكان ردلي ولايتمر، اللذان بذلا حياتهما لاجل الحق، ينتظران مجيء الرب بايمان. وقد كتب ردلي يقول: ”ان العالم من دون شك — وهذا ما اعتقده يقينا ولذلك أصرح به — يقترب من النهاية . لذلك يجب أن نشترك مع يوحنا خادم الله فنصرخ بملء قلوبنا الى مخلصنا المسيح قائلين : ”تعال أيها الرب يسوع“ ( ٢٨٠ ). GC 338.1

وقد قال باكستر : ”ان الافكار الخاصة بمجيء الرب محببة ومفرحة لي“ (٢٨١). ”ان كوننا نحب ظهوره وننتظر ذلك الرجاء المبارك هو عمل الايمان وصفة قديسي العلي“. ”اذا كان الموت هو آخر عدو يبطل عند القيامة فيمكننا أن نتعلم بأية غيرة وحرارة ينبغي للمؤمنين أن يشتاقوا الى مجيء المسيح ثانية ويصلّوا حتى تتم هذه الغلبة الكاملة والأخيرة“. (٢٨٢) ”هذا هو اليوم الذي ينبغي لكل المؤمنين أن يشتاقوا اليه ويرجوه وينتظروه كاتمام لكل عملية فدائهم ولكل رغائب نفوسهم ومساعيه ا“ .”أسرع يا رب وعجِّل هذا اليوم المبارك السعيد“ (٢٨٣). هذا كله رجاء الكنيسة الرسولية و ”الكنيسة في البرية ،“ ورجاء المصلحين. GC 338.2

ان النبوات فضلا عن كونها قد سبقت فأنبأت عن كيفية مجيء المسيح وغايته فانها قد أوردت العلامات التي بموجبها يعرف الناس قرب مجيئه . قال يسوع: ” ولتكون علامات في الشمس والقمر والنجوم“ (لوقا ٢١ : ٢٥). ”الشمس تظلم والقمر لا يعطي ضوءه ونجوم السماء تتساقط والقوات التي في السموات تتزعزع . وحينئذ يبصرون ابن الانسان آتيا في سحاب بقوة كثيرة ومجد“ (مرقس ١٣ : ٢٤ — ٢٦). وهكذا يصف الرائي أول العلامات التي تسبق المجيء الثاني فيقول: ”اذا زلزلة عظيمة حدثت والشمس صارت سوداء كمسح من شعر والقمر صار كالدم“ (رؤيا ٦: ١٢). GC 338.3