أعما لالرُّسل

15/59

الفصل الرابع عشر

رجل يبحث عن الحق

( يعتمد هذا الفصل على مارود في أعمال9 : 32 ، 11 : 18).

إن بطرس الرسول وهو يجول في البلاد خادما وكارزا زار المؤمنين في لدة . وفي هذه المدينة شفي إينياس الذي ظل ملازما فراشه ثامنى سنين إذ كان مفلوجا . قال الرسول : «ياإينياس ، يشفيك يسوع المسيح. قم وافرش لنفسك . فقام للوقت . ورآه الساكنين في لده وسارون ، الذين رجعوا إلى الرب» (أعمال : 9 : 34 ، 35). AR 115.1

أما يافا لم تكن تبعد كثيرا عن لده فكانت تعيش فيهاامرأة اسمها طابيثا الذي ترجمته غزالة . فقد حببتها أعمالها الصالحة الكثيرة إلى قلوب الجميع . كانت طابيثا إحدىفضليات تلميذات يسوع وكانت حياتها ممتلئة بأعمال الحنان والحب والإحسان. كانت تعرف المحتاجين إلى الثياب المريحة والظمئين إلى الحب والعطف ، فكانت تقوم بخدمات مجانية للفقراءوالمحزونين. وكانت أصابعها أمهر وأسرع في العمل من شقشقة لسانها AR 115.2

«وحدث في تلك الأيام أنها مرضت وماتت» (أعمال9 : 37).وقد احست كنيسة يافا بخسارتها الفادحة ، فإذ سمع التلاميذ هناك أن بطرس في لدة أرسلو إليه رسولين«يطلبانإليه ان لايتوانى عن أن يجتاز اليهم .فقام بطرس وجاء معهما . فلما وصل صعدوا به إلى العلية ، فوقفت ليده جميع الأرامل يبكين ويرين أقمصة وثيابا مما كانت تعمل غزالة وهي معهن» (أعمال9 :37 ، 39 ).فبالنظر إلى حياة الخدمة التي عاشتها غزالة فلا غرابة إذا كانت الأرامل ينحن ويبكين ويسكبن الدموع السخينة على جثمانها العديم الحياة . AR 115.3

وقد تأثر قلب الرسول بالعطف وهو يرى حزن أولئك النسوة . وحينئذ أمر بإخراج أولئك الصديقات الباكيات من العلية وجثا وقدم صلاة حارة كي يعيد إلى غزالة الحياة والصحة. ثم التفت إلى الجسد وقال :« ياطبيثا ، قومي ففتحت عينيها , ولما أبصرت بطرس جلست» (أعمال 9 : 40)لقد كانت غزالة (طابيثا) ذات نفع عظيم للكنيسة . فرأى الله أنه من المناسب إعادتها من أرض العود حتى تظل مهارتها ونشاطها بركة للآخرين وكي يتقوى ملكوت المسيح ويشتد بواسطة إظهار قدرته . AR 116.1

وإذا كان بطرس لايزال في يافا استدعاه الله ليقدم رسالة الإنجيل إلى كرنيليوس في قيصرية ، وكان كرنيليوس هذا رومانيا وقائد مئة . وكان رجلا غنياكريم الخلق شريف النسب . وكان مركزه الاجتماعي محط ثقة وكرامة. ورغم أنه كنا وثنيا بحكم مولده وتربيته وتهذيبه ، إلا أنه عن طريق اتصاله باليهود واحتكاكه بهم حصل على معرفة الإله الحقيقي وكان يعبده بإخلاص القلب مبرهنا على خواص إيمانه بالرفق بالمساكين . وقد اشتهر هذا الرجل في كل مكان بإحسانه ، كما أكسبته حياة البر التي عاشها شهرة حسنة وسيرة عطرة بين اليهود والأمم ، وكان تأثيره سبب بركة لكل من عاشرهم . والسفر المقدس الموحى به يصفه على أنه : «تقيوخائف الله مع جميع بيته ، يصنع حسنات كثيرة للشعب ، ويصلي إلى الله في كل حين» (أعمال 10 : 2). AR 116.2

فإذ كان كرنيليوس يؤمن بالله على أنه خالق السماء والأرض كان يوقره ويعترف بسلطانه ويسأل مشورته في كل شؤون الحياة . لقد كان أمينا للرب في حياته البيتية وفي شؤون وظيفته وواجباتها . كما أنه أقام في بيته مذبحا لله لأنه لم يكن يجرؤ على تنفيذ خططه أو الاضطلاع بمسؤولايته بدون معونة الله . AR 117.1

ومع أن كرينيليوس كان يؤمن بالنبوات وينتظر مجيئ المسيا فإنه لم يكن يعرف شيئا عن الإنجيل المعلن في حياة السيد المسيح وموته. لم يكن عضوا في الكنيسة اليهودية ، وقد نظر إليه اليهود على أنه وثني ونجس. ولكن نفس الساهر القدروس الذي قال عن ابراهيم «عرفته» عرف كرنيليوس أيضا وأرسلإليه رسالة من السماء مباشرة . وقد ظهر الملاك لكرنيليوس فيما كان يصلي .فإذ سمع قائد المئة شخصا يناديه باسمه داخله الخوف ، ومع ذلك فقد علم أنه هذا الرسولقد أتاه من قبل الله ، فقال : «ماذا ياسيد؟» ،فأجابه الملاك قائلا : «صلواتك وصدقاتكصعدت تذكارا أمام الله . والآن أرسل إلى يافا رجالا واستدع سمعان الملقب بطرس . إنه نازل عند سمعان رجل دباغ بيته عند البحر» (أعمال10 : 4-6). AR 117.2

إن دقة هذه التعليمات التي ذكرت فيها حتى حرفة الرجل الذي كان بطرس نازلا عنده تبرهن على أن السماء عليمة بتاريخ وعمل الناس في كل مراكز الحياة . فالله عليم باختبار العالم الوضيع وعمله ، وكما هو عليم باختبار وعمل الملك الجالس على عرشه. AR 117.3

«أرسلإلى يافا رجالا واستدع سمعان» وهكذا برهن الله على تقديره لخدمة الانجيل ولكنيسته المنظمة . ولكن الملاك لم يفوض إليه بأن يخبر كرنيليوس برواية الصليب . ولكن رجلا خاضعا للضعفات والتجارب البشرية ، كما كان قائد المئة نفسه ، كان هو الشخص المعين ليبشره بالمخلص المصلوب والمقام . إن الله لايستخدم الملائكة الذين لم يسقطوا أبدا ليكونوا ممثليه بين الناس، بل يستخدم أناسا تحت الآلام مثل أولئك الذين يطلبون تخليصهم . لقد اتخذ المسيح جسم إنسان ليتمكن من الوصول إلى البشرية. كانت هنالك حاجة إلى المخلص إلهي بشري ليجيء بالخلاص إلى العالم. وقد أوكل إلى الرجال والنساء بتلك المأمورية المقدسة ألا وهي تعريف الناس : «بغنى المسيح الذي لايستقصى» (أفسسس 3: 8 ). AR 117.4

إن الرب في حكمته يجعل الذينيطلبونالحق في صلة مع من يعرفونه من بني جنسهم . فخطة السماء هي أن الذين حصلوا على النوريقدمونه لمن يعيشون في الظلمة . إن البشرية إذ تحصل على قدرتها وأهليتها من نبع الحكمة تغدو الوسيلة الفعالة التي عن طريقها يؤثر الإنجيل بقوته المنيرة على العقل والقلب . AR 118.1

كان كرنيليوس مطيعا للرؤيا بكل سرور . فعندما انطلق الملاك : «نادي اثنين من خدامه، وعسكريا تقيا من الذين كانوا يلازمونه ، وأخبرهم بكل شيئ وأرسلهم إلى يافا» (أعمال 10 : 7،8). AR 118.2

إن الملاك بعدما تحدث مع كرنيليوس ذهب إلى بطرس في ياافا . وكان بطرس في ذلك الوقت يصلي على سطح البيت ، ويخبرنا الكتاب قائلا أنه «جاع كثيرا واشتهى أن يأكل . وبينما هم يهيئون له ، وقعت ليه غيبة» (أعمال 10 :10). فبطرس لم يكون جائعاإلى الخبز الجسدي وحده ، فهو إذ أشرف من فوق السطح على ندينة يافا والقرى المجاورة لها كان يجوع إلى خلاصبني جنسه. كان يرغب رغبة حارة في أن يريهم من الكتب المقدسة النبوات التي تشير إلى آلام المسيح وموته . AR 118.3

في الرؤيا رأى بطرس «السماء مفتوحة ، وإناءا نازلا عليه مثل ملاءة عظيمة مربوطة بأربعة أطراف ومدلاة على الأرض . وكان فيه كل دواب الأرض والوحوش والزحافات وطيور السماء . وصار إليه صوت قم يابطرس ، واذبح وكل . فقال بطرسكلا يارب . لأني لم آكل قط شيئا دنسا أو نجسا . فصار إليه أيضا صوت ثانية ما طهره الله لاتدنسه أنت . وكان هذا على ثلاث مرات ثم ارتفع الإناءأيضا إلى السماء» (عدد 11 -16). AR 118.4

هذه الرؤيا انطوت على توبيخ وتعليم لبطرس .فقد كشفت له عن قصد الله —أنه بموت المسيح يبنغي أن يصير الأمم ورثةمع اليهود في بركات الخلاص. إلى ذلك الحين لم يكن أحد من التلاميذ قد كرز بالإنجيل للأمم . فحائط السياح المتوط الذي قد هدمه موت المسيح كان لايزال موجودا في أذهانهم . ولذلك فد قصرووا خدماتهم على اليهود إذ كانوا يعتبرون أن الأمم محرومون من بركات الإنجيل . أما الآن فقد كان الرب يحاول أن يعلم بطرس مدى اتساع تدابيره التي تشمل العالم كله . AR 119.1

كان كثيرون من الأمم يصغون بكل انتباه إلى كرازة بطرس والرسل الآخرين ، وكثيرون من اليهود اليونانيين صاروا مؤمنين بالمسيح ، ولكن اهتداء كرنيليوس كان هو الأول في أهميته بين الأمم. AR 119.2

لقد حان الوقت الذي فيه تشرع كنيسة المسيح بالدخول في مظهر جديد من مظاهر العمل . فالباب الذي أغلقه كثيرون من المهتدين اليهود في وجه الأمم كان سيفتح الآن على مصراعيه. والذين قبلوا الإنجيل من الأمم كانوا سيعتبرون متساوين مع التلاميذ اليهود دون أن تكون بهم حاجة إلى ممارسة فريضة الختان. AR 119.3

فبأي حرص واهتمام عمل الرب للتغلب على التعصب ضد الأمم الذي كان متاصلا وراسخا في ذهب بطرس بواسطة تربيته اليهودية . فبرؤية الملاءةومحتوياتها حاول الرب أن يحرر عقل الرسول من هذا التعصب ويعلمه الحق الهام القاضي بأن السماء ليس فيها محاباة للوجوه، وأن اليهودي والأممي كلاهما مكرمان في نظر الله، وأنه في المسيح يمكن للوثنيين أن يصيروا شركاء في بكرات الإنجيل وامتيازاته . AR 119.4

وإذ كان بطرس يفكر متأملا في معنى الرؤيا وصل إلى يافا الرجال الموفدون من قبل كرنيليوس ووقفوا أمام البيت الذي كان فيه . فقال له الروح : «هوذا ثلاثة رجال يطلبونك . لكن قم وانزل واذهب معهم غير مرتاب في شيئ ، لأني أنا قد أرسلتهم» (عدد 19، 20). AR 120.1

وكان هذا أمرا صعب التنفيذ في نظر بطرس، ولذلك فبكل نفور كان بطرس يخطوا خطوة في أثر خطوة وهو يشرع في القيام بالواجب المفروض عليه ولكنه لم يكن يجرؤ على العصيان. «فنزل بطرس إلى الرجال الذين أرسلوا إليه من قبل كرنيليوس ، وقال ها انا الذي تطلبونه . ماهو السبب الذي حضرتهم لأجله ؟» فأخبروه عن مهمتهم الفريدة قائلين : «إن كرنيليوس قائد مئة ، رجلا بارا وخائف الله ومشهودا له من كل أمة اليهود ، أوحي إليه بملاك مقدس أن يستدعيكإلى بيته ويسمع منك كلاما» (عدد 21 ، 22). AR 120.2

فامتثالا للتعلميات التي كان قد تلقاها من الله في تلك الساعة وعدهم بطرس بالذهاب معهم , وفي صبيحة اليوم التالي انطلق معهم إلى قصيرية مصطحبا معه ستة من إخوته . وكان لابد من وجود شهود يشهدون عن كل ماسيقوله أو يفعله في أثناء زيارته للأمم ، لأن بطرس كان يعلم أنه لا بد سيدعى ليقدم حسابا عن مثل ذلك الانتهاك المباشر للتعاليم اليهودية . AR 120.3

وعندما دخل بطرس بيت ذلك الرجل الأمم لم يصافحه كرنيليوس على أنه إنسان عادي بل كمن تكرمه السماء وكم أرسله إليه الله . من بين عادات أهل الشرق أن ينحني الإنسان أمام ملك أو أمير أو أحد الأحبار العظام ، كما كان على الأولاد أن ينحنوا أمام والديهم ، أما كرنيليوسفإذ غمره شعور بالاحترام والتوقير لمن قد أرسله إليه اللهليعلمه خر عند قدمي الرسول وسجد له . فارتعب بطرس وأقام قائد المئة قائلا له : «قم ، أنا أيضا انسان » (عدد 26). AR 120.4

عندما انطلق رسل كرنيليوس لاستدعاء بطرس ، «وقد دعا أنسابه وأصدقاءه الأقربين» (عدد 24) لكي يسمعوا هم أيضا الكرزة بالإنجيل . فلما وصل بطرس وجد كثيرين مجتمعين وهم ينتظرون بلهفة للإصفاء إلى أقواله . AR 121.1

وخاطب بطرس أولئك المجتمعين أولا عن عادة اليهود التي تحرم على رجل يهودي أن يختلط بالأمميين في المجتمع ، وكيفأن هذا العمل ينطوي على نجاسة طقسية . فقال لهم: «أنتم تعلمون كيف هو محرم على رجل يهودي أن يلتصق بأحد أجنبي أو يأتي إليه . واما أنا فقد أراني الله أن لاأقول عن إنسان ما إنه دنس أو نجس . فلذلك جئت من دون مناقضة إذ استدعيتموني . فـأستخبركم : لأي سبب استدعيتموني ؟» (عدد 28 ، 29). AR 121.2

حينئذ أخبره كرنيليوس باختباره وبكلمات الملاك ، وختم حديثه بالقول : «فأرسلت إليك حالا ، وأنت فعلت حسنا إذ جئت . والآن نحن جميعا حاضرون أمام الله لنسمع ماأمرك به الله». AR 121.3

فقال بطرس : «بالحق أنا أجد أن الله لايقبل الوجوه. بل في كل أمة ، الذي يتقيه ويصنع البر مقبول عنده» (عدد 34، 35). AR 121.4

بعد ذلك كرز بطرس بالمسيح أمام هؤلاء القوم الذين أصاخوا بآذانهم حتى لاتفوتهم أي كلمة. فتكلم عن حياة المسيح ومعجزاته وتسليمه وصلبه وقيامته وصعوده وعمله في السماء كنائب وشفيع عن الإنسان. فإذ وجه بطرس أنظار أولئك الحاضرين إلى يسوع باعتبارهرجاء الخاطئ الوحيد فهمهو نفسه وأدرك إدراكا كاملا معنى الرؤيا التي كان قد رآها ، فاتقد قلبهبروح الحق الذي كان يقدمه لهم . وفجأة قوطع الكلام بحلول الروح القدس : «فبينما بطرس يتكلم بهذه الأمور حل الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة . فاندهش المؤمنون الذين من أهل الختان ، كل من جاء مع بطرس ، لأن موهبة الروح القدس قد انسكبت على الأمم أيضا .لأنهم كانوا يسمعونهم يتكلمون بألسنة ويعظمون الله». AR 121.5

«حينئذ أجاب بطرس أترى يستيطع أحد أن يمنع الماء حتى لايعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضا ؟ وأمر أن يعتمدوا باسم الرب» (عدد 44 — 48). AR 122.1

وهكذا قدم الإنجيل إلى الذين كانوا غرباء وأجانب مما جعلهم مواطنين مع القديسين وأعضاء في بيت الله . إن اهتداء كرنيليوس وأهل بيته كان باكورة حصاد عظيم ومزمعا أن يجمع إلى المخزن . ومن ذلك البيت أنجز عمل من أعمال النعمة الواسعة النطاق في تلك المدينة الوثنية. AR 122.2

واليوم لايزال الله يبحث عن النفوس بين العظماء كما بين البسطاء . يوجد كثيرون أمثال كرنيليوس يرغب الرب في أن يربط بينهم وين عمله في العالم. إن ميولهم وعواطفهم هي مع شعب الرب ولكن الروابط التي تربطهم بالعالم تشدهم إليه بكل قوة . إن وقوفهم إلى جانبالمسيح يتطلب شجاعة أدبية . فينبغي بذل جهود خاصة مع هذه النفوس لأن هؤلاء الناس همفي خطر جسيم بسبب التزاماتهم وعلاقاتهم بمن حولهم. AR 122.3

إن الله يطلب عمالا غيورين ودعاء يحملون رسالة الإنجيلإلى الطبقات الراقية . هنالك معجزات ينبغي أن تتم نحو تجديد الناس تجديدا حقيقيا — معجزات لانشاهدها في هذه الايام . إن أكبر عظماء هذه الأرض ليسوا أبعد من أن تصل إليهم قدرة الله صانعة المعجزات . فلو أن أولئك العاملين معه يحسنون انتهاز الفرص ويؤدون واجبهم بكل شجاعة وأمانة ، فالله سيهدي ويجدد الذين يحتلون مراكز تنطوي على مسؤليات جسيمة والذين يتمتعون بالذاء ، والنفوذ العظيم. فكثيرون سيقبلون المبادئ الإلهية عن طريقة قوة الروح القدس. وإذ يهتدون إلى الحق فسيصيرون آلات في يد الله لمشاركة النور مع الآخرين سيما الجالسين في الظلمة. وسيشعرون بمسئوليتهم العظيمة تجاه النفوس من بين أفراد هذه الطبقة المهملة . وسيكرسون الوقت والمال لعمل الرب فتضاف إلى الكنيسة كفاءة وقوة جديدتان . AR 122.4

إن كرنييليوس إذ كان مطيعا للتعليمات التي قد تلقاهافقد وجه الله الأحداث بحيث أعطي له حق أعظيم . فقد جاء رسول من مواطن السماء إلى قائد المئة الروماني هذا ، وإلى بطرس كي يكون كرنيليوس على اتصال بذلك الإنسان الذي كان يستطيع أن يقوده إلى نور أعظيم . AR 123.1

كثيرون في عالمنا هذا هم أقرب إلى ملكون الله مما نظن. ففي عالم الخطيئة المظلم هذا هنالك خاصة للرب (جواهر ثمينة) وسيرشد رسله إليهم.وفي كل مكان يوجد من سيقفون إلى جانب المسيح . وكثيرون سيقدرون حكمه الله فوق كل ميزة أرضية وسيصونون حاملي النور الأمناء . فإذ تحصرهم محبة المسيح يقنعون الآخرين بالمجيء إليه . AR 123.2

وعندما سمع الإخوة الذين في اليهودية أن بطرس قد ذهب إلى بيت رجل أممي وكرز للمجتمعين هناك دهشوا واغتاطوا . وقد باتوا يخشون أن يكون تصرفه هذا الذي بدا لهم أنه ينطويعلى كثير من الجرأة ، معطلا لتعليمه. فعندما رأوا بطرس بعد ذلك جلعوا يوجهون إليه ألفاط اللوم القاسية قائلين «إنك دخلت إلى رجال ذوي غلفة وأكلت معهم» ( أعمال11: 3). AR 123.3

وقد بسط بطرس أمامهم المسألة كلها . فحدثهم عن اختباره في أمر الرؤيا التي رآها وقال أنها كانت إنذارا له حتى لايعود فيما بعد يراعى الفروق الطقسية الخاصة بالختان والغزلة ، ولا أن ينظر إلى الأمم على أنهم نجسون .وأخبرهم عن الأمر الذي صدر إليهبأن يذهب إلى الأمم ، وعن مجيء رسل قائدة المئة ، وعن سفره إلى قيصرية ومقابلته لكرنيليوس . وأخبرهم عن حديثه مع قائد المئة الذي فيه أخبره كرنيليوس عن الرؤيا التي أمر باستدعاء بطرس بناء عليها . AR 124.1

وإذ كان بطرس يسرد عليهم اختباره قال : «فلما ابتدأت أتكلم ، حل الروح القدس عليهم كما علينا أيضا في البداءة. فتذكرت كلام الرب كيف قالإن يوحنا عمد بماء وأما أنتم فستعمدون بالروح القدس. فإن كان الله قد أعطاهم الموهبة كما لناأيضا بالسوية مؤمنين بالرب يسوع المسيح ، فمن أنا ؟ أقادر أمنه الله ؟» (أعمال 11 : 15- 17). AR 124.2

فإذ سمع الإخوة هذا التقرير سكتوا وإذ اقتنعوا بأن تصرف بطرس كان إتماما مباشرا لتدبير الله وأن تعصبهم وانطواءهم يناقضان روح الإنجيل مناقضة قاطعة ، كانوا يمجدون الله قائلين : «إذا أعطى الله الأمم أيضا التوبة للحياة» (أعمال 11 : 18). AR 124.3

وهكذا بدون جدال ، نقض سياج التعصب ، والاعتزال والانطواء والموانع التي ظلت راسخة بحكم العادة مدى عصور طويلة تركت واندثرت ، وفتحت الطريق للكرازة بالإنجيل بين الأمم. AR 124.4