التربيـــة

13/60

بولس — الفرح في الخدمة

ان ایمان واختبار التلامیذ الجلیلیین الذین رافقوا يسوع في عمله الكرازي اتحدا بنشاط احد معلمي أورشليم وقوته العقلية. فاذ كانت له الرعوية الرومانية ومولودا في مدینة اممیة ، و یهودیا لیس فقط لکونه من نسل الیهود بل لکونه تربی یهودیا مدی حیاته و حبه لوطنه و تکریسه نفسه له وعقيدته الدينية , وقد تربى فى اورشليم عند رجلى اشهر المعلمين وتعلم كل الشرائع وتقاليد الاباء ,لذلك اشترك شاول الطرسوسي هذا في كبرياء وتعصب امته الى أبعد الحدود . واذ كان بعد شابا صار عضوا مکرما فی مجمع السنهدریم . وکان ینظر الیه کمن تبشر مواهبه بمستقبل عظیم ، و حامی الایمان القدیم الغیور في المدارس اللاهوتية باليهودية ألقيت كلمة الله جانبا واستعيض عنها بآراء الناس . وقد جردت كلمه الله من قوتها بسبب تفاسير المعلمين وتقاليدهم . فتعظيم الذات وحب السيطرة والانطواء الحقود والتعصب والكبرياء الممقوتة كانت هي المبادئ السائدة والبواعث المتحكمة في ھؤلاء المعلمین Tr 75.1

و کان المعلمون یفتخرون بتفوقهم لا علی الناس الذین من الامم الاخرى بل على عامه الشعب من مواطنيهم .وبسبب كراهيتهم الشرسة لمستعبديهم الرومان عقدوا العزم على استخلاص سيادة امتهم بقوة السلاح . اما تلاميذ يسوع الذين كانت رساله السلام التي کرزوا بها مناقضة لمؤامراتهم ومطامعهم فقد ابغضوهم وقتلوهم . وفي هذا الاضطهاد لعب شاول دورا هاما تمثلت فيه کل ضروب القسوة والوحشية Tr 76.1

كان موسى قد تعلم في المدارس الحربية في مصر قانون العنف . وقد سيطر هذا التعليم على اخلاقه بقوة عظيمة حتى لقد احتاج الامر الى ان يقضي أربعين سنة في هدوء وشركة مع الله ومع الطبيعة ليؤهل لقيادة اسرائيل بناموس المحبة . هذا الدرس نفسه وجب على شاول ان يتعلمه Tr 76.2

وعند باب دمشق غیرت رؤیا المصلوب کل اتجاه حیاة شاول . فلقد أصبح المضطهد تلميذا ، والمعلم صار متعلما. وایام الظلام التي قضاها منفردا في دمشق کانت ؤی اختباره بمثابة سنوات . فأسفار العهد القديم المختزنة في عقله كانت موضوع تأمله ودرسه وصار المسيح معلما له . وبالنسبة اليه ايضا صارت عزلة الطبيعة مدرسة . فانطلق الى الصحراء العربیة لیدرس الکتب، ویتعلم من الله . و قد افرغ نفسه من التعصبات والتقاليد التي شكلت حياته وتلقى التعلیم من نبیع الحق Tr 76.3

وقد كانت حياته بعد ذلك ملهمة بالمبدإ الواحد مبدأ التضحية وخدمة المحبة. قال : «اني مديون لليونانيين والبرابرة للحکماء والجهلاء» , «لان محبة المسيح تحصرنا» ( رومیة ۱ : ۱٤ ؛ ۲ کورنثوس ٥ : ١٤) Tr 76.4

ان بولس ، اعظم معلم بشري ، قبل احقر الواجبات واسماها . ولقد اعترف بلزوم العمل في الشغل اليدوي کما فی العمل الفکري ، واشتغل فی حرفة لیعول نفسه. وکان یزاول حرفته فی صنع الخیام بینما کان قی کل یوم بیکرز بالانجيل في مراكز المدينة العظيمة . واذ كان يلقي خطابه الوداعي في مسامع شيوخ أفسس قال : »حاجاتي و حاجات الذین معي خدمتها هاتان الیدان» ( أعمال ٣٤:٢٠) Tr 77.1

وفي حين أن بولس كان حائزا مواهب عقلية سامية فأن حياته كشفت عن قوة حكمة نادرة . فالمبادئ العميقة جدا في معناها ودلالتها ، المبادئ التي قصر عن فهمها جبابرة العقول في هذا العصر بسطها في تعاليمه ومثل لها في حياته . كانت له تلك الحكمة العظمى التي تمنح البصيرة سرعة والقلب عطفا ، والتي تجعل الانسان على اتصال بالناس و تساعده علی أيقاظ طبیعتهم الفضلى وتلهمهم بحیاة اسمی Tr 77.2

اصغوا الى ما قاله أمام اهل لستره الوثنیین عندما يشير الى الله في الطبيعة ، مصدر كل خير قائلا انه «يعطينا من السماء أمطارا وأزمنة مثمرة ويملأ قلوبنا طعاما و سرورا» ( أعمال ١٤ : ۱۷ ) Tr 77.3

أنظروه فی السجن فی فیلبی حيث برغم کون جسمه معلبا من اثر الآلام فأن أغنية الحمد التي نطق بها قطعت حبل الصمت في نصف الليل . فبعدما فتحت الزلزلة أبواب السجن سمع صوته وهو ينطق بكلام الفرح الذي وجهه الى السجان الوثني قائلا له : «لا تفعل بنفسك شیئا ردیا لان جمیعنا ههنا» ( أعمال ١٦: ۲۸ ) - کل رجل ق مکانه ، اذا ردعه وجود سجین آخر . فاذ يقتنع السجان بحقيقة ذلك الايمان الذي يسند بولس يسال عن طريق الخلاص فينضم هو واهل بيته الى تلك الجماعة المضطهدة — تلاميذ المسيح Tr 78.1

ثم انظروا بولس في أثينا وهو امام المجمع في أريوس باغوس عندما يواجه العلم بالعلم ، والمنطق بالمنطق والفلسفة بالفلسفة. ولاحظوا كيف انه بتلك اللباقة التي هي وليدة المحبة الالهية يشير الى الرب كأنـه «الاله المجهول» الذي كان من سامعوه يعبدونه وهـم يجهلونه . و بکلمات اقتباسها ممن کلام احمد شعرائهم بصوره الهم على انه الآب وهم أولاده . اسمعوه في ذلك العصر عصر التفاوت بين الطبقات عندما كانت حقوق الانسان . کانسان ، غیر معترف بها کلیه عندما یعرض امامهم الحقيقة العظيمة حقيقة اخوة البشرية معلنا ان الله «صنع من دم واحد کل امه من الناس یسکنون علی کل وجه الارض» . ثم ابان کیف. انه فی کل معاملات الله مع الانسان یتغلغل قصد نعمته و رحمته کخیط ذهبی . وأنه «حتم بالاوقات المعينة وبحدود مسكنهم لكي يطلبوا الله لعلهم یتلمسونه فیجدوه مع انه عن کل واحد منا لیس بعیدا » (أعمال ٢٣:١٧و٢٦و٢٧ ) Tr 78.2

ثم اسمعوه في بلاط فستوس ، عندما صباح الملك اغریباس وقد اقتنع بحق الانجیل قائلا : بقلیل تقنعنی ان اصیر مسیحیا «۰ وبأي لطف ورقة یجیب بولس مشعرا الى سلسلته قائلا : كنت أصلي الى الله انه بقليل وبكثير ليس انت فقط بل ايضا جميع الذين يسمعونني اليوم يصيرون هکذا کما انا ما خلا هاله القیود» ( أعمال ٢٦: ۲۸ و ۲۹) Tr 79.1

وهکذا انقضت حیاته کما قد و صفها هو نفسه بکلام اذ قال : «باسفار مرارا كثيرة . بأخطار سيول . بأخطار لصوص . بأخطار من جنسي . بأخطار من الامم . بأخطار في المدينة. بأخطار في البحر . بأخطار من أخوة كاذبة. في تعب و کد . فی اسهار مرارا کثیرة. فی جوع و عطش . ف اصوام مرارا کثیرة . فى اصوام مرار كثير . فى برد و عري» ( ۲ کورنثوس ۱۱ : ٢٦و٢٧ ) Tr 79.2

«تشتم فنبارك . نضطهد فنحتمل . یفتری علینا فنعظ» «کحزانی ونحن دائما فرحون ، کفقراء ونحن نفنی کثیرین . کأن لا شیء لنا ونحن نملك کل شیء» ( ۱ کورنثوس ٤ : ۱۲ و ۱۳ : ۲ کورنثوس ١٠:٦) Tr 79.3

وجد فرحه في الخدمة ، وفي نهاية حياة الكدح التي عاشها ، فاذ نظر الی الخلف الی مصارعاتها و انتصاراتها امکنه ان يقول : «قد جاهدات الجهاد الحسن» ( ۲ تیموثاوس ٤ : ۷ ) Tr 79.4

هذه التواريخ لها اهمية حيوية . وهي ليست عميقة الاهمية لاحد قدر اهميتها للشباب . لقد رفض موسی مملكة منتظرة ، وبولس رفض امتيازات منافع الثروة والكرامة بين شعبه ، واستعاض عنها بحياة حمل الاثقال في خدمة الله . ان حياة هذين الرجلين تبدو لكثيرين على انها حياة الترك والتضحية. فهل كان الامر كذالك حقا ؟ ان موسی حسب عار المسیح غنی اعظم من خزائن مصر . وقد حسبها كذالك لانها كانت كذلك في الواقع . وقد اعلن بولس قائلا : ” لکن ماکان لی ربحا فهذا قد حسبته من اجل المسیح خسارة بل اني احسب کل شیء ایضا خسارة من اجل فضل معرفة المسيح يسوع ربي الذي من أجله خسرت کل الاشیاء وانا احسبها نفایة الکي اربح المسیح” (فیلبی ۳ : ۷ و ۸ ) . کان قانعا باختیاره Tr 80.1

ان موسى قدم له قصر فرعون وعرش الملك ، ولكن تمتعات الخطية التي تجعل الناس ينسون الله وجدت في تلك القصور الملكية فأختار بدلا منها « الغنی والكرامة . قنية فاخرة وحظ» ( أمثال ٨ : 1٨ ) . وبدلا من ان يربط نفسه بعظمة مصر اختار أن يربط نفسه بقصد الله . وبدلا من ان يسن الشرائع لمصر فانه بتوجیه الله سن شرائع للعالم . وقد صار آلة في يد الله لیقدم للناس تلك المبادئ التي هي الحارس الواقی للبیت والمجتمع علی السواء والتي هي حجر الزاوية لنجاح الامم — المبادئ التي يعتبرها اعاظم الرجال في العالم اليوم أساسا لكل الاشياء الفضلى في حكومات العلم , فمبادئ البر العظيمة التى عاش ليثبتها مبادئ ابداية Tr 80.2

ان حياة الكدح التي تثقل القلب بالهموم التي عاشها موسى استنارت بحضور ذاك الذي هو «معلم بين ربوة» والذی «کله مشتھیات» ( نشید 10:5و١٦) . فاذ کان تائها مع المسیح فی البریه , ومع المسیح علی جبل التجلي ، ومع المسيح. في المواطن السماوية ، فحياته على الارض بارکت وہور کت وفي السماء تمجدت Tr 81.1

وبولس ايضا في خدماته العديدة سندته قوة حضور الله . فلقد قال : «استطيع كل شيء في المسيح الذي يقويني» «من سيفصلنا عن محبة المسيح . أشدة ام ضيق ام اضطهاد ام جوع. ام عري ام خطر ام سيف . . . و لکنتا فی هذه جمیعها یعظم انتصارنا بالذي احبنا . فانی متیقن انه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا امور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو ولا عمق ولا خليقة اخرى تقدر ان تفصلنا عن محبة الله التي في المسيح يسوع ربنا» ( فیلبی ٤: ۱۳ ؛ رومیة ۸ : ٣٥ - ۳۹) Tr 81.2

ومع ذلك فيوجد سرور في المستقبل كان بولس يتطلع انی الامام الیه علی انه تعویض عن خدماته _ وهو نفس السرور الذي من اجله احتمل المسیح الصلیب مستهینا بالخزي ـ سرور رؤية ثمرة خدمته. فقد كتب الى المهتدين من اهل تسالونیکی یقول : «لان من هو رجاژنا و فرحنا واکلیل افتخارنا. ام لستم انتم ایضا امام ربنا یسوع المسیح فی مجیئه . لانکم انتم مجدانا و فرحنا» (۱ تسالونیکی ١٩:٢و٢٠) Tr 81.3

من ذا يستطيع أن يقيس نتائج خدمة حياة بولس لاجل العالم ؟ ومن كل تلك المؤثرات الصالحة التي تخفف الآلام وتعزي المحزونين وتردع الشر ، وتسمو بالحياة عما هو انانی و شهوانی و تمجددها برجاء الخلود ، کم منها یعزی الی خدمات بولس و شرکائه فی الخدمة ، عندما ساروا یحملون انجیل ابن الله فساروا من آسیا الی شواطی أوروبا دون ان یلطخهم احد ؟ Tr 82.1

كم يساوي بالنسبة لاي انسان ان يكون آلة في يد الله لتحريك مؤثرات البركة تلك ؟ وكم يساوي في الابدية ان يشاهد الانسان نتائج عمل مثل تلك الحياة ؟ Tr 82.2