الأنبياء والملوك

2/70

مقدمة

كرم الرب

كانت غاية الله من دعوته لإبراهيم للخروج من وسط عشيرته التي كانت تعبد الأوثان، هي الإتيان بأفضل هبات السماء إلى كلّ شعوب الأرض. لأجل هذه الغاية أخرجه من أرضه وعشيرته وأسكنه في أرض كنعان وقال له: ”أجعلك أمّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ. وَتَكُنَ بَرَكَةً“ (تكوين 12:2). كانت كرامة عظيمة تلك التي دُعيَ إليها ابراهيم صيرورته أباً للشعب الذي كان مزمعاً أن يصير حارساً ومحافظاً على حق الله للعالم مدى عصور طويلة، الشعب الذي بواسطته ستتبارك جميع أمم الأرض وقبائلها بمجيء المسيّا الموعود به. AM 13.1

كاد الناس يفقدون معرفة الإله الحقيقي فلقد أظلمت الوثنية أذهانهم وحاولوا أن يبدّلوا شرائع الله التي هي ”مُقَدَّسَةٌ وَعَادِلَةٌ وَصَالِحَةٌ“ (رومية 12:7) بشرائع تتفق مع أهواء قلوبهم القاسية المُفعمة بالأنانية ومع ذلك فالله في رحمته لم يمحُهم من الوجود بل قصد أن يمنحهم فرصةً يتعرّفون بها إليه عن طريق كنيسته وقصد أن تكون المبادئ التي يعلنها شعبُه واسطة في إعادة صورة الله الأدبيّة إلى الإنسان. AM 13.2

ينبغي تمجيد الشريعة الإلهيّة وإعلاء شأنها والدفاع عن سلطان الله عن طريقها فلقد أوكل هذا العمل العظيم النبيل إلى شعبه الذين فصلهم عن العالم لكي يسلّمهم عهدة مقدّسة وجعلهم مستودعات لشريعته ولصيانه معرفته بين الناس عن طريقهم بهذه الكيفية كان يجب أن يضيء نور السماء على عالم اكتنفه الظلام، ويسمع صوت الله الذي يطلب إلى الشعوب التحوّل عن الوثنيّة لعبادة الإله الحي. AM 13.3

لقد أخرج الله شعبه المختار من أرض مصر ”بقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ“ (خروج 11:32). ”أرسل موسى عبده وهرون الذي اختاره أقام بينهم كلام آياته وعجائب في أرض حام“، ”وانتهرَ بَحْرِ سُوفَ قيبس وسيرهم في اللجج“ (مزمور 26:10، 27، 9:106). لقد أنقذهم من أغلال العبوديّة التي كانوا يعانون منها ليأتي بهم إلى أرض جيّدة أعدّها لهم بعناية كملجأ يلوذون بها من أعدائهم. أراد أن يأتي بهم إلى نفسه و يحيطهم بالأذرع الأبديّة وفي مقابل صلاحه ورحمته كان عليهم أن يمجّدوا اسمه ويعترفوا به سيّداً على كلّ الأرض. AM 14.1

”إنَّ قِسْمَ الرَّبِّ هُوَ شَعْبُهُ. يَعْقُوبُ حَبْلُ نَصِبيِهِ. وَجَدَهُ فِي أَرْضِ قَفْرٍ وَفِي خَلَاءٍ مُسْتِوْحِشٍ خَرِبٍ. أَحَاطَ بِهِ وَلَاحَظَهُ وَصَانَهُ كَحَدَقَةِ عَيْنِهِ. كَمَا يُحَرِّكُ النِّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ هَكَذَا الرَّبُّ وَحْدّهُ اقْتّادَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَهٌ أَجْنَبِيٌّ“ (تثنية 9:32 — 12). هكذا أتى بشعبه إلى كنفه ليسكنوا تحت ستر جناحيه. وإذ حُفظوا بكيفيّة معجزيّة من مخاطر الجولان في البريّة استقروا أخيراً في المكان الذي أراده لهم. AM 14.2

وقد أورد النبي إشعياء مثلاً يثير الشفقة العاطفيّة أعاد عن طريقه إلى أذهانهم قصّة دعوة الله وتدريبهم ليكونوا ممثلين له مثمرين في كلّ عمل صالح، قال: ”لأنشدن عن حبيبي نشيد محبي لكرمه. كان لحبيبي كرم على أكمه خصبة فنقبه ونقى حجارته وغرسه كرم سورق وبنى برجاً في وسطه ونقر فيه أيضاً معصرة فانتظر أن يصنع عنباً“ (1:5،2). AM 14.3

لقد قصد الله أن يأتي بالبركة إلى بني الإنسان عن طريق شعبه المختار فأعلن النبي قائلاً: ”إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ وَغَرْسَ لَذَّتِهِ رِجَالُ يَهُوذَا“ (إشعياء 7:5). AM 15.1

لقد سلّمت أقوال الله لهذا الشعب وأقيم حولهم سياج وصايا شريعته، مبادئ الحق والعدل والنقاء. كانت الطاعة لهذه المبادئ ستكون سياجاً يقيهم ويحفظهم من إهلاك أنفسهم بالأعمال الشريرة وكبرج في كرم وضع الله هيكله المقدس في وسط الأرض. AM 15.2

كان المسيح معلّماً لهم فكما كان معهم في البريّة كان سيظلّ معلّمهم ومرشدهم وفي خيمة الإجتماع وفي الهيكل حلّ مجده في الشكينا المقدّس فوق غطاء التابوت (كرسي الرحمة) ولأجلهم أظهر دائماً غنى محبّته وصبره. AM 15.3

وقد وضع الله أمامهم قصده عن طريق نبيه موسى وتوضّحت لهم شروط نجاحهم حيث قال: ”شَعْبُ مُقَدَّسُ لِلرَّبِّ إِلَهِك. إياك قد اختار الرب إِلَهِكَ لتكون له شعباً أخصّ من جَميعِ الشُعُوبِ الَّذِينَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ“ (تثنية 6:7). AM 15.4

”قد واعدت الربّ اليوم أن يكون لك إلهاً وأن تسلك في طرقه وتحفظ فرائضه ووصاياه وأحكامه وأن يجعلك مستعلياً على جميع القبائل التي عملها في الثناء والإسم والبهاء وأن تكون شعباً مقدّساً للرب إلهك كما قال“ (تثنية 17:26-19). AM 15.5

كان سيستقرّ شعب الله في المناطق المعيّنة له من قبل الرب. أمّا الأمم الذين رفضوا عبادة الإله الحقيقي وخدمته فكانت ستُطرد. لكن الله كان يقصد أن يجتذب الناس إليه بواسطة إعلان صفاته عن طريق شعبه. كانت دعوة الإنجيل مزمعة أن تصل إلى كلّ العالم. فعن طريق تعليم الخدمات الكفّارية كان المسيح سيرفع أمام الشعوب وكلّ من يلتفت إليه سيحيا وكلّ من تركوا عبادة الأوثان ليعبدوا الإله الحقيقي كراحاب الكنعانية وراعوث المؤابية كانوا سينضمون إلى شعبه المختار ويتّحدون بهم. وعلى قدر ما تكاثر شعب الله قديماً كان يجب أن يوسّعوا تخومهم حتى تبلغ إلى أقصى الأرض. AM 15.6

ولكن شعب الله القديم لم يتمم قصد الله فقد أعلن الرب قائلاً: ”وَأَنَا قَدْ غَرَسْتُكِ كَرْمَةَ سُورَقَ زَرْعَ حَقّ كُلِّهَا. فَكَيْفَ تَحَوَّلَتِ لِي سُرُوغَ جَفْنَةٍ غَرِيبَةٍ؟“، ”إِسْرَائِيلُ جَفْنَةٌ مُمْتَدَّةٌ. يُخْرِجُ ثَمَراً لِنَفْسِهِ“، ”وَالآنَ يَا سُكَّانَ أُورُشَلِيمَ وَرِجَالَ يَهُوذَا احْكُمُوا بَيْنِي وَبَيْنَ كَرْمِي. مَاذّا يُصْنَعُ أَيْضاً لِكَرْمِي وَأَنَا لَمْ أَصنَعْهُ لَهُ. لِمَاذَا إِذِ انْتَظَرْتُ أَنْ يَصْنَعَ عِنَباً رَدِيئاَ. فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لَلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلْدَّوْسِ. وَأَجْعَلُهُ خَرَاباً لَا يُقْضَبُ وَلا يُنْقَبُ فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الغَيْمً أَنْ لَا يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَراً. إِنَّ كَرْمَ رَبِّ الجُنُودِ هُوَ بَيْتُ إِسْرَائِيلَ وَغَرْسَ لَذَّتِهِ رِجّالُ يَهُذَا. فَانْتَظَرَ حَقًّا فَإِذَا سَفْكُ دَمٍ وَعَدْلاً فَإِذّا صُرَاخٌ“ (إرميا 21:2، هوشع 1:10، إشعياء 3:5-7). AM 16.1

لقد كشف الرب لشعبه بواسطة نبيّه موسى عن نتائج الخيانة وعواقبها الوخيمة. فإذ يرفضون حفظ عهده فسيفصلون أنفسهم من حياة الله ولن تحلّ عليهم بركات الرب. كانوا يلتفتون أحياناً إلى هذه الإنذارات ونتيجة لذلك كانت تمنح للأمة بركات غنيّة وكانت بواسطتهم تفيض على الشعوب المحيطة بهم. و لكنّهم كانوا ينسون الله في غالب الأحيان في تاريخهم الطويل ويغيب عن أنظارهم امتيازهم السامي كممثلين له ونواب عنه. فقد سلبوه الخدمة التي طلبها منهم كما سلبوا بني جنسهم ميزة القيادة الدينيّة والمثال المقدّس. كانوا يتوقون لامتلاك ثمار الكرم الذي جُعلوا وكلاء له. إنّ جشعهم وطمعهم جعلهم محتقرين حتى في أعين الوثنيين. وهكذا أعطيت للعالم الوثني ذريعة لإساءة تفسير صفات الله وشرائع ملكوته. AM 16.2

وقد صبر الله على شعبه صبر الأب الرحيم وتوسّل إليهم بواسطة المراحم الممنوحة لهم والمراحم المسحوبة منهم وبكل أناة ضفّ خطاياهم أمام عيونهم وانتظر لعلهم يعترفون بها كما أرسل لهم الأنبياء والرسل لكي يؤكّدوا لأولئك الكرّامين حقوق الرب. ولكن بدلاً من الترحيب بهم عومل هؤلاء الرجال ذوو الفطنة والقوّة الروحيّة معاملة الأعداء. فاضطهدهم الكرامون وقتلوهم. فاضطر الله لإرسال رسل آخرين ولكنّهم عوملوا المعاملة ذاتها التي عومل بها سابقوهم إنّما في هذه المرة زاد الكرامون في إصرارهم على إظهار روح الحقد والعدوان. AM 17.1

لكن انسحاب رضى الله عن تلك الأمة في فترة السبي اقتاد كثيرين إلى التوبة ومع ذلك فبعد عودتهم كررت الأمة اليهودية أخطاء أسلافها وجعلت نفسها في حالة صراع سياسي مع الأمم المحيطة بها. وقد قوبل الأنبياء الذين أرسلهم الله لإصلاح الشرور المتفشيّة بالريبة والاحتقار ذاتهما اللذين قوبل بهما من سبقوهم وهكذا من جيل إلى جيل كان حرّاس الكرم يضيفون إلى ذنوبهم ذنوباً أخرى. AM 17.2

لقد احتقر شعب الله الكرمة العظيمة التي غرسها الكرام الإلهي على تلال فلسطين بحيث ألقي بها أخيراً من فوق سور الكرم مرضضة مداسة بأقدامهم وهم يرجون أنّهم قد أتلفوها مرّة وإلى الأبد. وقد نقل الكرّام الكرمة وأخفاها بعيداً عن أنظارهم ثم عاد فغرسها ولكن على الجانب الآخر من السور بحيث كان ساقها مخفياً عن العيان وقد تدلّت أغصانها فوق السور بحيث أمكن أن تُطعم فيها بعضُ الأغصان ولكن الجذع نفسه صار بعيداً عن متناول قوّة الناس كي لا يتناولوه بأذى. AM 17.3

إن رسائل المشورة والإنذار التي أُعطيت بواسطة الأنبياء الذين قد أوضحوا مقاصد الله الأزلية لأجل البشر هي ذات قيمة خاصة بالنسبة لكنيسة الله على الأرض اليوم والتي هي بمثابة حرّاس الكرمة. ففي تعاليم الأنبياء أعلنت محبّته للجنس الساقط وتدبيره لأجل خلاصهم بكلّ وضوح وقصّة دعوة شعب الله قديماً ونجاحهم و إخفاقهم و إعادتهم إلى رضى الرب ورفضهم لربّ الكرم وتنفيذ خطة الدهور بإبقاء بقيّة صالحة تتحقق لها كلّ مواعيد العهد — كان موضوع رسل الله لكنيسته مدى العصور التي خلت. واليوم فإنّ رسالة الله إلى كنيسته — لأولئك الذين يمتلكون الكرم بوصفهم كرّامين أمناء — ليست رسالة أخرى بل ما تكلّم به النبي ذاته في القديم عندما قال: ”غنّوا للكرمة المشتهاة. أنا الرب حارسها أسقيها كل لحظة لئلا يوقع بها احرسها ليلاً ونهاراً“ (إشعياء 2:27، 3). AM 18.1

ليرد إسرائيل الروحي الله. إنّ ربّ الكرم يجمع حتى الآن من بين الناس من كلّ الأمم والشعوب الثمر الثمين الذي ظلّ ينتظره طويلاً. وسرعان ما سيأتي إلى خاصته وفي ذلك اليوم السعيد ستتم نهائياً مقاصده الأزلية لشعبه ”في المستقبل يتأصل يعقوب. يزهر ويفرع إسرائيل ويملأون وجه المسكونة ثماراً“ (إشعياء 6:27). AM 18.2