الصراع العظيم

105/424

يقبض عليه ويسجن

ولم يكن قد مر عليه وقت طويل منذ ترك ورمس، واذ ا بالبابويين يقنعون الامبراطور باصدار مرسوم ضده . وفي هذا المنشور شُهِّر بلوثر على أنه ”الشيطان نفسه في شكل انسان وفي زي راهب“ (١١٥) وصدر امر بأنه حالما تنتهي مدة صك الامان الذي في حوزته ينبغي ايقاف عمله . وقد حُرم على الناس أن يؤووه أو يقدموا له طعاما أو شرابا أو معونة من أي نوع لا بالكلام أو العمل، سرا أو جهرا. وكان يتعين القبض عليه أينما وجد ويسلم الى السلطات . وأتباعه ومشايعوه كانوا سيطرحون في غياهب السجون وتصادر املاكهم . وكان يج ب احراق كتبه، وأخيرا كل من يخالف هذا المنشور كان ذلك الحكم يشمله . أما منتخب سكسونيا والأمراء اصدقاء لوثر فكانوا قد رحلوا عن ورمس بعد رحيله حالا . وصادق مجلس الامة على مرسوم الامبراطور . وهذا جعل البابويين يفرحون ويتهللون اذ اعتبروا أن مصير الاصلاح قد بات فشله محتوما. GC 185.1

لكنّ الله اعد لخادمه طريقا للنجاة في هذه الساعة، ساعة الخطر . ان عينا ساهرة يقظة كانت تتابع حركات لوثر، وقد عزم رجل ذو قلب مخلص نبيل على انقاذه . كان واضحا أن روما لن تقنع بغ ير موته . ولذلك فلم يكن متاحا انقاذه من بين مخالب الأسد بغير اخفائه . فألهم الله فريدريك منتخب سكسونيا ابتكار خطة تكفل حفظ المصلح . وقد نفذ ذلك المنتخب ما اعتزمه بمساعدة اصدقائه الامناء . وبذلك أمكن اخفاء لوثر عن الاصدقاء والا عداء. فاذ كان عائدا الى وطنه قُبض عليه وأبعد عن تابعيه وأخذ بسرعة الى داخل الغابة ومنها الى قلعة ورتبرج التي كانت حصنا جبليا منعزلا . وقد كان القبض عليه واخفاؤه محاطين بالغموض الى حد أن فريدريك نفسه ظل بعض الوقت يجهل المكان الذي ق د أخذ اليه . وهذا الجهل لم يكن بغير قصد . فطالما يجهل المنتخب مكان وجود لوثر لا يستطيع قطعا افشاء السر. وقد اكتفى بأن علم أن المصلح في مكان أمين، وانه معافى وحسب. GC 185.2

مر الربيع والصيف والخريف وأقبل الشتاء ولوثر لا يزال أسيرا، وابتهج الياندر وشركاؤه حين ظنوا أن نور الانجيل مقبل على الانطفاء . ولكن بدلا من هذا كان المصلح يملأ مصباحه من مستودع الحق، وكان نوره موشكا أن يضيء بلمعان أعظم. GC 186.1

كان لوثر في حصن أصدقائه في ورتبرج مغتبطا لأنه استراح من شدة المعركة وضوضائه ا. لكنه لم يكن قانعا بالهدوء والراحة . فاذ كان معتادا حياة العمل والنشاط والصراع الصارم لم يكن يحتمل البقاء ساكن ا. ففي أيام الاعتزال تلك ظهرت حالة الكنيسة أمامه على حقيقتها فصرخ في يأس وقال: ”واأسفاه! انه لا يوجد ولا واحد في يوم غضب الرب هذا يقف أمامه كسور ليخلص شعبه!“ (١١٦). ومرة أخرى جعل يفكر في نفسه، وبات يخشى أن يُتهم بالجبن اذا انسحب من المعركة . ثم جعل يلوم نفسه على تكاسله وانغماسه في الراحة. ومع ذلك ففي كل يوم كان يعمل أكثر مما يبدو أن رجلاً واحداً يستطيع أن يقوم به. فما انفك قلمه يكتب . واذ كان أعداؤه يخدعون انفسهم بقولهم أنه خَرِسَ فقد شملتهم الدهشة و الارتباك اذ ظهر أمامهم برهان ملموس على أنه لا يزال يعمل بنشاط. ذلك أن كمية كبيرة من الكراريس المكتوبة بقلمه كانت تتداولها الايدي في الماني ا. كما أنه اسدى الى بني امته خدمة جليلة اذ ترجم العهد الجديد الى اللغة الالمانية . ومن قلعته الصخرية الشبيهة بجزيرة بطمس ظل يعلن الانجيل ويوبخ الخطايا والضلالات المتفشية بين الشعب في أيامه مدة تقرب من سنة. GC 186.2

لكنّ السبب الذي لأجله جعل الله خادمه ينسحب ويعتزل الحياة العامة لم يكن حفظ حياته من غضب اعدائه او منحه فرصة هدوء واستجمام استعدادا للقيام بأعماله الهامة وحسب، بل لقد كا نت هنالك نتائج أجلَّ قدرا من هذه ستتحقق. ففي عزلة ذلك المعتكف الصخري وغموضه أبعد لوثر من كل معونة أرضية ولم يعد يسمع مديح الناس، وهكذا نجا من الكبرياء والثقة بالنفس اللتين تنشآن عن النجاح . فعن طريق الاذلال والآلام أعد للسير مرة أخرى وهو آمن فوق المرتفعات الشاهقة التي قد ارتفع اليها فجأة. GC 186.3

ان الناس اذ يفرحون بالحرية التي يمنحهم الحق اياها فانهم يميلون الى تمجيد الذين استخدمهم الله في تحطيم اغلال الضلال والخرافات التي كانوا مكبلين به ا. والشيطان يحاول أن يبعد افكار الناس وعواطفهم عن الله وأن يجعلها تتركز في الو سائل البشرية، وان يقودهم الى اكرام الذين هم مجرد آلات وإلى تجاهل اليد التي توجه كل حوادث العناية . اننا في غالب الاحيان نرى أن القادة الدينيين الذين يحصلون على المديح والاكرام يتغافلون عن اعتمادهم على الله ويتناسونه. وهذا يقودهم الى الاتكال على نفوسهم . وينتج من ذلك انهم يحاولون السيطرة على عقول الناس وضمائرهم، اذ يميل هؤلاء الى أن ينظروا اليهم في طلب الارشاد بدلا من استرشاد كلمة الله . ان عمل الاصلاح كثيرا ما يتعطل بسبب هذه الروح التي يحتضنها وينغمس فيها معاضدو الاصلاح ومروجوه . وقد اراد الله أن يجنِّب عمل الا صلاح هذا الخطر . كان يريد أن يُطبع هذا العمل لا بطابع انسان بل بطابع الله . كانت انظار الناس قد اتجهت الى لوثر كمن هو مفسر الحق، وقد أبعد منهم حتى تتجه أنظار الجميع الى ذاك الذي هو مبدع الحق الازلي وهو الحق نفسه . GC 187.1