الصراع العظيم

24/424

الفصل الثالث — الارتداد

في الرسالة الثانية الى تسالونيكي انبأ بولس الرسول بالارتداد العظيم الذي كان سيأتي نتيجة لتوطيد السلطة البابوية . فقد أعلن أن يوم المسيح لن يأتي ”ان لم يأتي الارتداد أولا ويستعلن انسان الخطيئة ابن الهلاك المقاوم والمرتفع على كل ما يُدعى الهاً أو معبودا حتى أنه يجلس في هيكل الله كإله مظهرا نفسه أنه إله“. وفضلا عن ذلك فالرسول يحذر اخوته قائلا: ”سر الاثم الآن يعمل“ (٢ تسالونيكي ٢ : ٣ و ٤ و ٧). حتى في ذلك التاريخ القديم رأى الضلالات التي ستعد الطريق لنشر البابوية وتطورها وهي تزحف الى داخل الكنيسة. GC 55.1

وشيئا فشيئا نرى ”سر الاثم“ يتسلل في البداية في صمت وسكون، وبعد ذلك يتقدم علنا عندما حصل على سلطان وقوة وتسلط على عقول الناس وهو يقوم بعمله التجديفي الخادع . وبطريقة لم يكد يحس بها احد شقت العادات الوثنية لنفسها طريقا الى د اخل الكنيسة المسيحية . وكُبح روح التساهل والخنوع بعض الوقت بواسطة الاضطهادات العنيفة التي شنتها الوثنية على المسيحية. ولكن بعد زوال الاضطهاد حين دخلت المسيحية بلاط الملوك وقصورهم ألقت عنها رداء البساطة التي في المسيح ورسله واستعاضت عنه بفخامة الكهنة وا لرؤساء الوثنيين وكبريائهم، كما استعاضت عن مطالب الله بمبادئ الناس وتقاليدهم . ان اهتداء قسطنطين الاسمي الظاهري في اوائل القرن الرابع سبب فرحا عظيما، فدخل العالمُ الكنيسة مرتديا صورة البر . وفي ذلك الوقت تقدم عمل الفساد بسرعة . والوثنية التي بدا كأنها انهزمت ص ارت هي المنتصرة . فلقد سيطرت روحها على الكنيسة اذ اعثرت بتعاليمها وطقوسها وخرافاتها ايمان المعترفين بأنهم اتباع المسيح. GC 55.2

وقد نتج من هذا التواطؤ بين الوثنية والمسيحية أن نضج ”انسان الخطيئة“ الذي سبقت النبوات فأنبأت بأنه سيقاوم الله ويسعى ليرتفع عليه. فذلك النظام الهائل الجبار، نظام الديانة الكاذبة، هو ذروة قوة الشيطان وقمة محاولاته لاجلاس نفسه على العرش ليحكم على الأرض حسب ارادته. GC 56.1

لقد حاول الشيطان مرة أن يعقد تحالفا مع المسيح . جاء الى ابن الله في برية التجربة، واذا اراه كل ممالك العالم ومجدها عرض عليه ان يدفعها كلها الى يديه اذا اعترف فقط بسيادة سلطان الظلمة . لكنّ المسيح انتهر ذلك المجرب الوقح وارغمه على الانسحاب . غير أن الشيطان يصيب نجاحا أعظم حين يغري الناس بالتجارب ذاته ا. ففي سبيل الظفر بارباح العالم وكراماته انساقت الكنيسة الى أن تطلب رضى عظماء الارض وم عاضدتهم، واذ رفضت المسيح على هذا النحو فقد غُرر بها لكي تقدم ولاءها لنائب الشيطان، اسقف روما. GC 56.2

من بين العقائد الكاثوليكية الرئيسة أن البابا هو الرأس المنظور لكنيسة المسيح الجامعة، وهو مزود سلطاناً فائقاً على الاساقفة والقساوسة في كل انحاء العالم . وأكثر من هذا فقد خُلعت على البابا ألقاب الله نفسه . لقد لُقب ب ”الرب الاله البابا“ (انظر التذييل). واعلن انه معصوم . وهو يطالب كل الناس بالولاء. ان ما ألحَّ الشيطان في طلبه في برية التجربة لا يزال هو نفسه يطلبه بإلحاح عن طريق كنيسة روما، وجماعات كثيرة من الناس مستعدون لتقديم ولائهم له. GC 56.3

لكنّ اولئك الذين يخافون الله ويوقرونه يقابلون هذا الادعاء المنطوي على التحدي لسلطان السماء مثلما واجه المسيح اغراءات العدو المحتال اذ قال السيد: ”للرب الهك تجسد واياه وحده تعبد“ (لوقا ٤ : ٨)، ان الله لم يورد ابدا أي اشارة في كلمته الى أنه قد أقام انسان ا ليكون رأس الكنيسة . فعقيدة سيادة البابا تضادُّ مبشارة تعاليم الكتب المقدسة . ولا يمكن أن يسود البابا على كنيسة المسيح الا بطريق الاغتصاب. GC 57.1

لقد أصر الكاثوليك على أن يلصقو ا بالبروتستانتية تهمة الهرطقة وتعمُّد الانفصال عن الكنيسة الحقيقية . لكنّ هذه التهم تنطبق بالحري على الكاثوليك انفسهم. فهم الذين القوا لواء المسيح بعيداً وارتدوا عن ”الايمان المسلم مرة للقديسين“ (يهوذا ٣). GC 57.2