الصراع العظيم

21/424

ايمان شهود الرب

ظل اولئك الشهود محتفظين بايمانهم طاهرا نقيا تحت أقسى الاضطهادات. ومع أنهم حُرموا من كل اسباب الراحة والعزاء ونُفوا بعيدا من نور الشمس وعاشوا في جوف الارض المظلمة الحبيبة اليهم فانهم لم ينطقوا بكلمة تذمر أو شكوى، بل كانوا يشجعون بعضهم بعضا بكلمات الايمان والصبر والرجاء على احتمال العوز والضيق . أن خس ارة كل الخيرات الأرضية لم تجبرهم على أن يجحدوا ايمانهم بالمسيح . فلقد كانت التجارب والاضطهادات خطوات قرَّبتهم من راحتهم وثوابهم. GC 46.1

وكغيرهم من عبيد الله في القديم، كثيرون منهم ”عُذبوا ولم يقبلوا النجاة لكي ينالوا قيامة افضل“ (عبرانيين ١١ : ٣٥). هؤلاء ذكروا أقوال سيدهم وهي أنهم حين يضطهدهم الآخرون لأجل المسيح فليفرحوا ويتهللوا لأن أجرهم عظيم في السموات لأن اولئك هكذا طردوا واضطهدوا الأنبياء الذين قبلهم .لقد تهللوا وفرحوا لأنهم حُسبوا مستأهَلين لأن يتألموا من أجل الحق،ومن وسط لهب الني ران التي كانت تكوي أجسامهم وتلتهمها كانوا ينشدون أناشيد الانتصار . واذ كانوا يشخصون الى السماء بايمان كانوا يرون المسيح والملائكة يطلون من شرفات مسكن المجد وهم ينظرون اليهم باهتمام عظيم ويثنون على ثباتهم . وقد جاء من عرش الله صوت يقول لهم: ”كن أمينا الى الموت فسأعطيك أكليل الحياة“ (رؤيا ٢ : ١٠). GC 46.2

ولكن عبثا حاول الشيطان أن يهلك كنيسة المسيح أو يخربها بواسطة العنف. أن الصراع الهائل الذي فيه ضحى تلاميذ يسوع بحياتهم لم يتوقف عندما سقط حاملو الاعلام الامناء اولئك في مواقفهم . بل انتصرو ا بهزيمتهم. لقد قُت ل العاملون في كرم الرب لكنّ عمله ظل سائرا الى الامام بثبات. وقد انتشر الانجيل وزاد عدد معتنقي تعاليمه . وتغلغل في اقاليم لم يتسنَّ حتى لأعلام روما وجيوشها ان تدخله ا. أن أحد المسيحيين اذ كان يحاج الحكام الوثنيين الذين عزموا على مو اصلة اضطهاد قطيع الرب قال: ”يمكنكم أن تدينونا وتعذبونا وتقتلون ا... ان ظلمكم لنا هو خير برهان على برارتن ا. ولن تجديكم القسوة فتيلا“. لقد كانت تلك القسوة قوة أعظم لاقناع الآخرين بتعاليم المسيحيين. ثم عاد ذلك الرجل يقول: ”وكلما جززتمونا زاد عددن ا. ان دم المسيحيين هو البذار“ (٣). GC 46.3

وقد ألقي الوف منهم في السجون ثم قُتلوا، ولكن قام من رمادهم آخرون ليملأوا الفراغ الذي حدث بموتهم . والذين استشهدوا لأجل ايمانهم حُفظوا للمسيح، وقد حسبهم منتصرين . لقد جاهدوا الجهاد الحسن وسيعطَون اكليل المجد عند مجيء المسيح . ومثالهم الحي واستشهادهم كانا شهادة دائمة للحق . وعلى غير انتظار ترك عبيد الشيطان خدمته وانضووا تحت لواء المسيح. GC 48.1

ولهذا دبر الشيطان خططه ليخوض حربا اكثر نجاحا من حربه السابقة ضد حكم الله، بأن نصب رايته في وسط كنيسة المسيح . فاذا أمكن التغرير بأتباع المسيح فانساقوا الى إسخاط الله فحينئذ ستخور قواهم ويخذلهم جلدهم وثباتهم وسيسقطون فرائس سهلة المنال. GC 48.2

والآن فها هو الخصم العظيم يحاول أن يكسب بالحيلة ما أخفق في الحصول عليه بالعنف . فزال الاضطهاد وحلت في مكانه الاغراءات الخطرة،اغراءات النجاح المادي والمجد الباطل . وقد بدأ الوثنيون يقبلون جانبا من الايمان المسيحي، رافضين في الوقت نفسه الحقائق الجوهرية الأخرى . لقد أقروا بأنهم يقبلون يسوع كابن الله ويؤمنون بموته وقيامته ولكن لم يكن في قلوبهم تبكيت على الخطية ولم يحسوا بحاجتهم الى التوبة او تغيير قلوبهم . واذ أبدو ا بعض التنازلات من جانبهم اقترحوا أن يتنازل المسيحيون عن بعض مبادئهم حتى يقف الجميع متحدين على مستوى واحد هو الايمان بالمسيح. GC 48.3

هنا وقعت المسيحية في خطر مخيف . ان السجن والتعذيب والنار والسيف كانت بركة عظيمة بالمقارنة مع هذ ا. لقد ظل بعض المسيحيين ثابتين، و أعلنوا انهم لا يستطيعون أن يعقدوا صلحا، بينما انحاز آخرون الى جانب التسليم وتحوير بعض مبادئ المسيحية، محتجين بأن هذا سيكون وسيلة لاهتدائهم الكامل . كان ذلك وقتَ كرب شديد لأتباع المسيح الأمناء . لقد بدأ الشيطان يتسلل الى الكنيسة تحت ستار المسيحية الكاذبة، ليف سد ايمان المسيحيين ويحول افكارهم عن كلمة الحق. GC 49.1

اخيرا رضي معظم المسيحيين بأن يخفضوا مبادئهم فاتحدت المسيحية بالوثنية. ومع أن عبدة الأوثان أقروا بأنهم اهتدوا وانضموا الى الكنيسة، فقد ظلوا متعلقين بوثنيتهم، مكتفين بتبديل موضوع عبادتهم بتماثيل للمسيح وحتى للعذراء والقديسين . وإذ أدخلت هذه الخميرة الفاسدة على هذا النحو الى داخل الكنيسة استمرت تعمل عملها الوبيل . ولقد تغلغلت في ايمان الكنيسة وعباداتها العقائد الفاسدة والشعائر الخرافية والطقوس الوثنية . واذ اختلط اتباع المسيح بعبدة الاوثان فسد الدين المسيحي وجُر دت الكنيسة من طهارتها وقوتها. ومع ذلك فقد بقي بعضٌ ممن لم ينقادوا وراء تلك الضلالات،وظلوا محتفظين بولائهم لمبدع الحق، فكانوا يعبدون الله وحده. GC 49.2