الصراع العظيم

128/424

أعظم يوم في الاصلاح

جاء الوقت المحدد للوقوف امام الامبراطور . فاذ كان شارل الخامس جالسا على عرشه يحف به المنتخبون والامراء أمر بان يمثل أمامه المصلحون البروتستانت. ثم قُرئ إقرار إيمانهم . ففي ذلك المحفل الجليل الوقور عرضت حقائق الانجيل بكل وضوح كما أشير الى أخطاء الكنيسة البابوية، وحسنا قيل عن ذلك اليوم انه ”أعظم أيام الاصلاح ومن امجد الايام في تاريخ المسيحية والجنس البشري“ (١٧٥). GC 229.2

قبل ذلك بسنين قليلة وقف راهب وتنبرغ وحيدا أمام المجلس الوطني . أما الآن فها أشرف أمراء الامبراطورية وأقواهم ينوبون عنه . كان محرما على لوثر أن يذهب الى أوجسبرج، لكنّه كان حاضرا بأقواله وصلواته . وقد كتب يقول: ”اني فرح جدا لاني عشت الى هذه الساعة التي فيها تمجد المسيح بواسطة أمثال هؤلاء المعترفين الممتازين المشهورين وفي مثل ذلك المجمع المجيد“ (١٧٦). وهكذا تم ما قاله الكتاب في (مزمور ١١٩ : ٤٦): ”... واتكلم بشهاداتك قدام ملوك“ GC 230.1

في أيام بولس كُرز أمام أمراء المدينة الامبراطورية ونبلائها بالانجيل الذي كان سجينا لاجله . وكذلك حدث في هذه المناسبة، اذ أن الانجيل الذي نُهي عن الكرازة به من المنبر نودي به من القصر، وما كان معتبرا انه من غير اللائق أن يصغي اليه الخدم والعبيد أصغى اليه رؤساء الامبراطورية وسادتها بدهشة وإعجاب. وكان المستمعون هم الملوك والعظماء، وكان الامراء المتوجون هم الذين كر زوا بالكلمة، وكانت العظة هي حق الله السامي . وقد قال كاتب: ”انه منذ أيام العصر الرسولي لم يكن هنالك عمل أعظم ولا أبدع من هذا الاقرار“ (١٧٧). GC 230.2

وقد أعلن أسقف بابوي قائلا: ”كل ما قاله اللوثريون حق ولا نستطيع انكاره“ وقد وجه آخر هذا السؤال الى الدكتور إك قائلا: ”هل يمكنك بواسطة المحاجة المعقولة أن تفند هذا الاقرار الذي قدمه المنتخب وحلفاؤه؟“ فجاءه الجواب يقول: ”لا يمكن ذلك بالاستناد الى كتب الانبياء والرسل، ولكنه ممكن من وجهة نظر الآباء والمجامع العامة“. فعاد السائل يقول: ” لقد فهمت من كلامك الآن أن اللوثريين هم داخل الكتب المقدسة أما نحن فخارجها“ (١٧٨). GC 230.3

انضم بعض امراء المانيا الى صف معتنقي الايمان المصلح، وأعلن الامبراطور نفسه أن تلك المواد البروتستانتية إنْ هي إلا الحق الصراح . وقد ترجم ذلك الاقرار الى لغات كثيرة، وتداولته أيدي الناس في كل أوروبا، وقبله ملايين الناس مدى الاجيال المتعاقبة على أنه تعبير عن ايمانهم. GC 231.1

ولم يكن عبيد الله الامناء يتعبون وحدهم، فاذ اتحدت ضدهم الرياسات والسلاطين وأجناد الشر الروحية في السماويات فالرب لم يترك شعبه . فلو فتحت عيونهم لرأوا البرهان على حضور الله ومساعدته كم ا قد رأى ذلك أحد الانبياء في القديم . فاذ وجه خادم أليشع نظر سيده الى الجيش المعادي المحيط بالمدينة والذي قطع عليهم سبيل النجاة صلى النبي قائلا: ”يا رب أفتح عينيه فيبصر“ (٢ ملوك ٦ : ١٧)، وإذا بالجبل مملوء خيلا ومركبات نار، فلقد جاء جيش سماوي لحراسة رجل الله. وهكذا حرست الملائكة العاملين في الاصلاح وقضيته. GC 231.2

كان بين المبادئ التي حافظ عليها لوثر بكل ثبات وجوب عدم اللجوء الى القوة الزمنية لمساندة الاصلاح وعدم الركون الى السيف دفاعا عنه . وقد ابتهج قلبه وتهلل لان أمراء الامبراطورية قد اعترفوا بالانجيل ،ولكن عندما اقترحوا تكوين حلف دفاعي أعلن أن ”عقيدة الانجيل ينبغي أن يدافع عنها الله وحده ... فبقدر ما يقل تدخل الانسان بقدر ما يكون تدخل الله عظيما ومدهشا في صالح الانجيل. وكان يرى ان كل الاحتياطات السياسية كان مبعثها الخوف غير اللائق والشك الخاطئ“ (١٧٩). GC 231.3

وعندما اتحد أعداء أشداء لتقويض أركان الايمان المصلح وملاشاته وكانت آلاف السيوف موشكة أن تُسل ضده كتب لوثر يقول: ”ان غضب الشيطان قد ثار وهاج، وها هم الباباوات الاشرار يتآمرون ونحن مهددون بالحرب . فانصحوا الشعب أن يناضلوا بكل شجاعة أمام عرش الرب بالايمان و الصلاة حتى اذا انهزم أعداؤنا بقوة روح الرب يُجبرون على أن يجنحوا الى السلام . أن حاجتنا الرئيسية وعملنا الرئيسي هو الصلاة لان الناس يعلمون انهم مهددون بالموت بحد السيف ومهددون بغضب الشيطان؛ فليصّلوا“ (١٨٠). GC 231.4

وفي تاريخ متأخر بعد ذلك اذ كان لوثر يشير الى الحلف الذي كان الامراء المصلحون يفكرون فيه أعلن أن السلاح الوحيد المستخدم في هذه الحرب ينبغي أن يكون ”سيف الروح“. وقد كتب الى منتخب سكسونيا يقول: ”ان ضمائرنا لا تسمح لنا بقبول تشكيل ذلك الحلف المقترح، فخير لنا أن نموت عشر مرات من أن نسمح بأن تسفك نقطة دم واحدة في سبيل محاماتنا عن حق الانجيل . ان دورنا هو أن نكون كغنم تساق الى الذبح، وينبغي لنا أن نحمل صليب المسيح . فلا تخف يا صاحب السمو . اننا بصلواتنا سننجز عملا أكثر مما يستطيع أعداؤنا أن يعملوه بمفاخراتهم . انما أحرص على ألا تلوث يديك بدماء اخوتك . فاذا رغب الامبراطور في الالتجاء الى المحاكم فنحن على استعداد لان نحاكم . أنت لا تستطيع أن تدافع عن ايماننا، فعلى كل واحد أن يؤمن على مسؤوليته ويخاطر بنفسه“ (١٨١). GC 232.1

فمن معتكف الصلاة جاءت القوة التي هزت العالم بالاصلاح العظيم، اذ هناك بسكون مقدس ثبَّت عبيد الرب أقدامهم على صخرة مواعيده . ففي أثناء الصراع الذي كان محتدما في أوجسبرج ”لم يكن يمر على لوثر يوم من دون أن يقضي ثلاث ساعات في الصلاة على الاقل، وكان يختارها من بين أفضل الساعات المكرسة للدرس“. ففي خلوته وهو في ح جرته كان يُسمع وهو يسكب نفسه أمام الله بكلام ”كله تعبد وخوف ورجاء كما يفعل الانسان وهو يخاطب صديقا له“. فكان يقول: ”أنا أعلم أنك أنت أبونا والهنا وأنك ستشتت مضطهدي أولادك لانك أنت نفسك مهدد بالخطر معن ا. ان هذه القضية كلها هي قضيتك ونحن لم نقحم أنفسنا فيها الا بارغامك لنا. فأنقذنا اذاً يا أبانا“ (١٨٢). GC 232.2

وكتب الى ميلانكثون الذي كاد الجزع والخوف يسحقانه قائلا: ”نعمة وسلام في المسيح ! أقول في المسيح لا في العالم . آمين ! اني أمقت مقتا شديدا هذه الهموم الهائلة التي تنتابك وتكاد تلتهمك . فان كانت القضية غير عادلة فاتركها، أما إذا كانت عادلة فما لنا نكذِّب مواعيد ذاك الذي يأمرنا أن ننام بلا خوف ... ان المسيح لن يتوانى عن القيام بهذا العمل الذي هو عمل الحق والعدل. انه حي ويملك، فمن أين يأتينا الخوف؟“ (١٨٣). GC 232.3

أصغى الله الى صر خات عبيده . فقد أعطى للامراء والخدام نعمة وشجاعة لحفظ الحق ضد رؤساء ظلمة هذا الدهر . لقد قال الرب: ”هأنذا أضع في صهيون حجر زاوية مختارا كريما والذي يؤمن به لن يخزى“ (١ بطرس ٢ : ٦). لقد أقام المصلحون البروتستانت بناءهم على المسيح فلم يمكن لابواب الجحيم أن تق وى عليهم. GC 234.1